📁 آخر الأخبار

السجود عند الفراعنة: أسرار الطقوس الدينية في مصر القديمة

كانت مصر القديمة، بحضارتها الغنية وثقافتها المتنوعة، تحمل العديد من الرموز والتعبيرات التي عكست قيم المجتمع ومعتقداته. ومن بين هذه التعبيرات، يأتي تعبير "تقبيل الأرض" (sn-tA) كواحد من أكثر الأفعال التي تعبر عن الاحترام والإذعان، يشير هذا الفعل إلى الخضوع الكامل أمام الآلهة والملوك، مما يعكس مكانتهم المقدسة في المجتمع المصري القديم.

السجود عند الفراعنة: أسرار الطقوس الدينية في مصر القديمة
منظر من تل العمارنة لسيدة من عهد الملك إخناتون

بقلم / عبدالرحمن محمد توفيق

إن دراسة هذا التعبير تتطلب فهماً عميقاً للسياقات الدينية والملكية التي ظهر فيها. من خلال النصوص القديمة والصور المنحوتة، يمكننا تتبع تطور هذا الفعل وفهم معانيه المختلفة وأهميته في الحياة اليومية والدينية في مصر القديمة. سنقوم في هذا المقال بتحليل تفصيلي لتعبير "تقبيل الأرض" من خلال استعراض النصوص والصور الأثرية، وتسليط الضوء على السياقات التي ظهر فيها واستخداماته المختلفة.

مظاهر التعبير في النصوص والصور

ظهر تعبير "تقبيل الأرض" في العديد من النصوص والصور الأثرية، مشيراً إلى أفعال الاحترام والتقدير التي كانت تُظهرها الطبقات الاجتماعية المختلفة تجاه الآلهة والملوك. يمكننا تقسيم مظاهر هذا التعبير إلى ثلاثة سياقات رئيسية: الدينية، والملكية، والاجتماعية.

السياق الديني

في السياق الديني، كان تعبير "تقبيل الأرض" يُستخدم كعلامة على التقديس والخضوع للآلهة. كان هذا الفعل يظهر في النصوص الدينية مثل نصوص الأهرام، حيث كان المصريون القدماء يعبرون عن خشوعهم ورهبتهم أمام الآلهة من خلال تقبيل الأرض أو السجود الكامل. كان هذا الفعل يُمارس في الطقوس الدينية المختلفة، سواء كانت تُقام في المعابد أو في المنازل الخاصة. كانت هذه الطقوس تهدف إلى استرضاء الآلهة وطلب حمايتهم ونعمتهم.

جئت أقبل الأرض، أعبد سيدتي لأري جمالها

من بين الأمثلة البارزة لاستخدام تقبيل الأرض في السياق الديني، نجد مشاهد الحج إلى المعابد الكبرى مثل معبد آمون في الكرنك، حيث كان الحجاج يقدمون القرابين وينحنون لتقبيل الأرض أمام تماثيل الآلهة، تعبيراً عن تقواهم وخشوعهم. كان هذا الفعل جزءاً لا يتجزأ من الطقوس الدينية التي كانت تهدف إلى تعزيز العلاقة بين البشر والآلهة.

لعلي أقُبل الأرض لسيد الآلهة، لعلي أكل الخبز معهم، أشرب معهم

السياق الملكي

أما في السياق الملكي، فكان تقبيل الأرض يعكس الاحترام العميق الذي كان يُظهره المصريون القدماء للملوك. كان هذا الفعل يظهر في النقوش والرسوم التي تصور الملوك وهم يتلقون التحية من رعياهم. كان المصريون يقدمون هذه التحية للملوك كعلامة على الإذعان والولاء. في بعض الأحيان، كان الأجانب أيضاً يُظهرون هذا الفعل كعلامة على الخضوع للسلطة الملكية المصرية.

على سبيل المثال، تظهر النقوش التي تعود إلى فترة حكم الملك رمسيس الثاني مشاهد يظهر فيها الأجانب وهم ينحنون لتقبيل الأرض أمام الملك، في إشارة إلى خضوعهم وسعيهم لنيل رضاه. كانت هذه التحية تُظهر القوة والسلطة الملكية وتعزز من هيبة الملك أمام شعبه وأعدائه على حد سواء.

السياق الاجتماعي

في السياق الاجتماعي، كان تعبير "تقبيل الأرض" يُستخدم بين الأفراد كعلامة على الاحترام المتبادل. كان هذا الفعل يظهر في المناسبات الاجتماعية المهمة، مثل حفلات الزواج أو الجنازات، حيث كان الأفراد يعبرون عن احترامهم لبعضهم البعض من خلال هذا الفعل. كان تقبيل الأرض يعكس التقدير العميق والتواضع أمام الآخرين.

في الجنازات، على سبيل المثال، كان أفراد العائلة ينحنون لتقبيل الأرض أمام قبر المتوفى كعلامة على احترامهم وتقديرهم لحياته وإرثه. هذا الفعل كان يُعتبر جزءاً من الطقوس الجنائزية التي تهدف إلى تكريم المتوفى وضمان راحته في الحياة الآخرة.

التطور التاريخي للتعبير

يمكننا تتبع تطور تعبير "تقبيل الأرض" عبر العصور المختلفة في مصر القديمة من خلال النصوص والصور الأثرية. بدأ استخدام هذا الفعل منذ الدولة القديمة، حيث ظهر في نصوص الأهرام واستمر استخدامه عبر العصور المختلفة حتى الفترة البطلمية. يمكن تقسيم تطور هذا الفعل إلى عدة مراحل رئيسية:

الدولة القديمة

في الدولة القديمة، كان تقبيل الأرض يُعتبر جزءاً أساسياً من الطقوس الدينية والملكية. كان يظهر في النصوص الدينية مثل نصوص الأهرام، حيث كان المصريون يعبرون عن خشوعهم للآلهة من خلال هذا الفعل. كان الملوك أيضاً يتلقون هذه التحية من رعياهم كعلامة على الولاء والإذعان.

من بين الأمثلة البارزة لتقبيل الأرض في هذه الفترة، نجد النقوش الموجودة في هرم الملك بيبي الثاني، حيث يظهر الملك وهو يتلقى تحية تقبيل الأرض من أتباعه. كان هذا الفعل يُعبر عن الاحترام العميق للملك ويعزز من سلطته الدينية والسياسية.

الدولة الوسطى

في الدولة الوسطى، استمر استخدام تعبير "تقبيل الأرض" في الطقوس الدينية والملكية. كان يظهر في النصوص والرسوم الجدارية التي تصور الملوك وهم يتلقون التحية من الأفراد. كان هذا الفعل يعكس الاحترام العميق للسلطة الملكية والآلهة.

من بين الأمثلة البارزة لتقبيل الأرض في هذه الفترة، نجد النقوش الموجودة في معبد الملك سنوسرت الثالث، حيث يظهر الملك وهو يتلقى تحية تقبيل الأرض من الكهنة والموظفين الملكيين. كان هذا الفعل يُظهر التقدير العميق للملك ويعزز من هيبته أمام شعبه.

الدولة الحديثة

في الدولة الحديثة، أصبح تقبيل الأرض جزءاً أكثر تعقيداً من الطقوس الدينية والملكية. كان يُستخدم في المناسبات الرسمية مثل تتويج الملوك أو الاحتفالات الدينية الكبرى. كان هذا الفعل يُظهر مدى الاحترام والتقدير الذي كان يُظهره المصريون القدماء للملوك والآلهة.


على سبيل المثال، نجد في نقوش معبد أبو سمبل مشاهد تصور الملك رمسيس الثاني وهو يتلقى تحية تقبيل الأرض من الكهنة والأتباع خلال احتفالات تتويجه. كان هذا الفعل يعكس القوة والسيادة الملكية ويعزز من مكانة الملك أمام شعبه وأعدائه.

الفترة البطلمية

في الفترة البطلمية، استمر استخدام تعبير "تقبيل الأرض" كجزء من الطقوس الدينية والملكية. كان يظهر في النصوص والرسوم التي تصور الملوك البطالمة وهم يتلقون التحية من رعياهم. كان هذا الفعل يعكس التقاليد القديمة واستمرارية الاحترام والتقدير للملوك والآلهة.

من بين الأمثلة البارزة لتقبيل الأرض في هذه الفترة، نجد النقوش الموجودة في معبد فيلة، حيث يظهر الملك بطليموس الثاني وهو يتلقى تحية تقبيل الأرض من الكهنة والمواطنين. كان هذا الفعل يعكس القوة والسيادة الملكية ويعزز من هيبة الملك أمام شعبه وأعدائه.

دلالات تعبير تقبيل الأرض

يحمل تعبير "تقبيل الأرض" في مصر القديمة العديد من الدلالات الرمزية والمعنوية. كان يعكس العديد من القيم والمعتقدات التي كانت تحكم المجتمع المصري القديم. من بين هذه الدلالات

  • التقديس والخشوع: كان تقبيل الأرض يُعبر عن التقديس والخشوع أمام الآلهة والملوك. كان المصريون القدماء يعتبرون الآلهة والملوك كيانات مقدسة تستحق الاحترام والتقدير الكامل.

  • الإذعان والولاء: كان هذا الفعل يُعبر عن الإذعان والولاء للسلطة الملكية والدينية. كان المصريون يظهرون خضوعهم للملوك والآلهة من خلال تقبيل الأرض، مما يعكس مدى تأثير السلطة في حياتهم اليومية.

  • التواضع والاحترام المتبادل: في السياق الاجتماعي، كان تقبيل الأرض يعكس التواضع والاحترام المتبادل بين الأفراد. كان هذا الفعل يُظهر التقدير العميق والتواضع أمام الآخرين، مما يعزز من العلاقات الاجتماعية الإيجابية.

  • التكريم والتقدير: كان تقبيل الأرض جزءاً من الطقوس الجنائزية والاحتفالات الاجتماعية، حيث كان يُستخدم لتكريم الأفراد المتوفين أو المعنيين بالمناسبات الاجتماعية المهمة. كان هذا الفعل يعكس التقدير العميق لحياة المتوفين وإرثهم.

الاستنتاجات

يعكس تعبير "تقبيل الأرض" في مصر القديمة مدى الاحترام والتقدير الذي كان يُظهره المصريون القدماء للملوك والآلهة. هذا الفعل، الذي تطور عبر العصور، يُعتبر جزءاً من الطقوس الدينية والملكية التي كانت تُمارس في تلك الفترة. من خلال دراسة هذا التعبير، يمكننا فهم الكثير عن قيم المجتمع المصري القديم ومعتقداته. كانت الأفعال والطقوس تعكس العلاقات الاجتماعية والدينية والسياسية في مصر القديمة، وتظهر لنا كيف كان المصريون القدماء يعبرون عن احترامهم وتقديرهم للسلطة الدينية والملكية.

في النهاية، يُظهر تحليل تعبير "تقبيل الأرض" في مصر القديمة مدى تعقيد وتنوع الثقافة المصرية القديمة. من خلال النصوص والصور الأثرية، يمكننا الحصول على فهم أعمق للقيم والمعتقدات التي كانت تحكم هذا المجتمع العريق. يعكس تقبيل الأرض العديد من الجوانب الهامة في الحياة اليومية والدينية والسياسية، مما يجعل هذا الفعل رمزاً مهماً لفهم الحضارة المصرية القديمة.

المصادر:

  1. مروة كفافي، "تقبيل الأرض في مصر القديمة"، مجلة الدراسات التاريخية، العدد الثالث، أكتوبر 2021
  2. A. Gardiner, The Chester Beaty Papyrus No1, 1931, C4,V4; A.Gardiner, Late Egyptian Stories Bibliotieca Aegyptiaca I, 1932, 5,13​
  3. عمرو محمود محمد الطيبي، "أوضاع التعبد في التماثيل منذ العصر الحجري الحديث وحتى مصر القديمة وبلاد النهرين"، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة القاهرة، 2014
  4. سليم حسن، "الأدب المصري القديم"، القاهرة، 1990

عبدالرحمن محمد
عبدالرحمن محمد
عبدالرحمن محمد، باحث فى الديانة المصرية القديمة ونصوص العالم الأخر ، مرشد سياحى وعاشق لتاريخ وحضارة مصر القديمة ، أتمنى من الله سبحانه وتعالى أن ما نُقدمه ينال رضاء حضراتكم
تعليقات