📁 آخر الأخبار

عصر الدولة الوسطى ومركزية الدولة القديمة

عصر الدولة الوسطى ومركزية الدولة القديمة
منظر حرث الأرض من مقبرة رخمى رع

بقلم / سهيلة عاطف الكافورى

عصر الدولة الوسطى ومركزية الدولة القديمة انتهت الدولة القديمة في عام 2160 ق.م ، بعدها مرت مرت مصر بفترة من الانهيار والتدهور والحروب الشديدة إلي أن استطاع منتوحتب مؤسس الدولة الوسطى فى 2040 ق.م للسيطرة علي البلاد ونشر السلام، ولقد حكمها ملوك أقوياء استطاعوا أن يوسعوا حدود مصر في الغرب والشرق.

هذا بالإضافة إلى نجاحهم فى تنظيم جهاز إداري كبير نجح في استصلاح أراض كبيرة للزراعة، كما اهتموا بمشروعات الري بالفيوم، ولقد أبدعوا في فنون العمارة والهندسة والنحت الذي يميل إلي البساطة والواقعية ، فكانت التماثيل تصور ملامح الملوك بواقعية تعبر عن اهتمامهم بشعبهم في سبيل راحتهم وتوفير الأمن لهم . فإذا ذهبنا إلي المتحف المصري ودخلنا قاعة الدولة الوسطي نشاهد عدداً من تماثيل هؤلاء الملوك مثل الملك سنوسرت الثالث وأمنمحات الثالث وهذه التماثيل تظهر في ملامح وجه كل منهما علامات الإرهاق والإجهاد تحت عينيه، كما صور أذنه كبيره دلالة علي انه ينصت إلي كل ما يقول له الشعب محاولا تلبية مطالبهم، وكل هذا يدل علي قيام الملك بواجباته .

كما شهد هذا العصر تطوراً كبيراً في صياغة الذهب من عقود وأساور وتمائم والتي صاغها المصري بمنتهي البراعة والدقة، استمر هذا العصر حوالي ثلاثة قرون لكن لم يكن الملك بقوة ملوك الدولة القديمة ويرجع السبب فى ذلك لزيادة سلطة حكام الأقاليم، من أشهر ملوكها الملك سنوسرت الأول الذي حارب اللبيين والنوبيين وبني العديد من المعابد ، وسنوسرت الثالث الذي نجح في الحد من نفوذ حكام الأقاليم الذين زاد نفوذهم .

 عصر الدولة الوسطى ومركزية الدولة القديمة وأهم الأعمال :

تعتبر الدولة الوسطي من أزهي فترات التاريخ المصري القديم لأنها جمعت بين مجد ومركزية الدولة القديمة وبين ما حققه الفكر من استقلالية وتفرد خلال عصر الانتقال الأول.

أعاد ملوك الأسرة الحادية عشرة وحدة البلاد واستقرارها وحصن ملوك الأسرة الثانية عشرة أرضها ووسعوا حدودها جنوبا فعرفت، مصر عصراً من الازدهار قلما يتكرر في تاريخ الأمم. وتتلخص مظاهر هذا الازدهار وإنجازات ملوك الأسرة في النقاط التالية :

  1. أنشأ " أمنمحات" الأول عاصمة جديدة أطلق عليها اسم" إيثت تاوي" أي القابضة علي الأرضين وتقع علي الأرجح، جنوب منف، قرب منطقة اللشت بالفيوم .
  2. حصن" أمنمحات" الأول وخلفاؤه حدود مصر الشرقية والشمالية الشرقية وشيد" حائط الأمير" -على أغلب الظن تل الحبوة الآن - لصد هجمات الآسيويين ومنع تسللهم إلي الدلتا.
  3. قام" أمنمحات" الأول ببعض النشاط الحربي ضد البدو في غرب الدلتا وفي عمق فلسطين حيث تقدم جيش مصري بقيادة الضابط " سبك خو" إلي هناك حتى بلغ مدينة " سكم " .
  4. حصن خلفاء" أمنمحات " الأول حدود مصر الغربية وشنوا الحملات التأديبية .
  5. قام " سنوسرت" الأول والثالث ببناء الحصون في كوبان بالنوبة لحماية مناجم الذهب بوادي العلاقي بالنوبة.
  6. وبرز في النوبة دور الملك " سنوسرت " الثالث فوسع حدود مصر الجنوبية واستولي علي ٦٠ كم جنوب وادي حلفا وأقام حوالي أربعة عشرة حصنا أهمها حصني سمنة وقمة .
  7. وكان كل حصن منها يمثل مدينة صغيرة وبداخلها معبد، فأخضع النوبة تماما لسلطانة وقضى على الفتن والشغب في أربع حملات ناجحة .

كما تميزت هذه الفترة ب:

  1. نشاط معماري كبير، واستغلال واسع للمحاجر والمناجم .
  2. نشاط تجاري مع فلسطين وسوريا وبابل وجزر بحر إيجة وكريت والنوبة والسودان وبلاد بونت .
  3. الانتفاع بمنخفض الفيوم وتوسيع الرقعة الزراعية باستصلاح آلاف من الأفدنة إلي جانب إقامة السدود لتخزين المياه والفيضان للانتفاع بها في زمن القحط والتحاريق.
  4. الاستقرار في الحكم وقوة السلطة المركزية أي سلطة الملك مما كان له أثر على الادب والفن فازدهرا ازدهاراً كبيراً .

الملكية فى عصر الدولة الوسطى وأهم الملوك :

  • الملك منتوحتب الثاني :

دام حكمه ٥١عاماً امتازت بالكفاح، ويعتبر مؤسس الدولة الوسطي وأصبح أول ملك مصري في الدولة الوسطى، وقد غير الملك لقبه أكثر من مرة، فعند بداية حكمه إتخذ لقب سعنخ أب تاوى ، أي مسبب الحياة لقلب الأرضين وهو لقب تبدو فيه النوايا الطيبة لإعادة الحياة والطمأنينة لمصر وإضطر في هذه الفترة من حكمه أن يقضي علي ثورة في إقليم ثني في العام الرابع عشر من حكمه وانتشرت الطمأنينة في البلاد. وبدأ فترة جديده من حكمه إتخذ فيها منتوحتب لقب نب حبت رع بمعني سيد دفة رع أى موجة دوله رع (ويقصد بدولة رع هنا مصر ) .

وبدأت انتصاراته تزداد وسيطر علي حكام الجنوب والشمال وساد النظام البلاد . وفي هذه الفترة التي بدت علي وجه التقريب في العام التاسع والثلاثين من حكمه إتخذ فيها لقب، سماتاوى ، أو موحد الأرضين بجانب إسمه الثابت نب حبت رع .

وقد اكتشف ونلوك قبرا كبيراً في الصخر علي هيئة المغارة في طيبة كان يحتوى علي ما يقرب من ٦٠ مومياء لجنود جيشه الذين استشهدوا علي ما يبدو في إحدى هذه المعارك من أجل تأمين البلاد ونشر النظام.

ولقد اختار منتوحتب الثاني حضن جبل من جبال طيبه الغربية ليشيد فيه ضريحا يليق به ولم يبق لنا من هذا الضريح إلا أطلاله وهي الموجودة إلي الجنوب من معبد حتشبسوت بالدير البحري وقد عثر بداخله علي تمثاله الشهير المحفوظ الآن بالمتحف المصري كما عثر أثناء الحفائر هناك أيضاً علي عدد من مقابر نساء أسرته ومحظياته وكان لكل منهن مقصورة خاصة تصل إلى بئر يوصل بدوره إلي حجرة الدفن. 

ومن أهم هذه المقابر مقبرة الأميرة " كاويت " والأميرة " عاشيت " وكان لكل منهما تابوت خشبى موضوع في تابوت آخر صنع من الحجر الجيري الجيد والتوابيت محفوظه الآن بالمتحف المصري ، وقد تميزت جوانبها بالمناظر الدنيوية الخلابة .

قام منتوحتب بعمل إصلاحات في الحكومة المصرية فور الإنتهاء من توحيد البلاد. فألغى عدم مركزية السلطة التي ساهمت في إنهيار الدولة القديمة وكانت علامة مميزة للفترة الإنتقالية الأولي، وذلك عن طريق تجريد حكام الأقاليم من بعض سلطتهم وتركيز الحكم في طيبة. كما إبتكر أيضاً مناصب حكومية جديدة قد شغلها رجال طيبة المخلصين له، مما منح الملك مزيدا من السلطة علي بلاده. كما سافر المسئولين عبر البلاد بصفة منتظمة لمراقبة حكام الأقاليم.

  • سنوسرت الأول :

لقد وصف لنا سنوهيت الذي كان معاصرا له وحارب معه جنبا لجنب في حمله (لوبيا) وصفا شيقا لا يخلو من المبالغة فيقول: إنه هو الإله المنقطع القرين الذي لا يفوقه أحد، وإنه رب الحزم المتفوق في النصيحة والحازم في إعطاء الأوامر ، والرواح والغدو تحت إرادته، وهو الذي أخضع الأراضي الأجنبية ، ووالده مقيم في القصر ليتلقى الأخبار بأن أمره قد نفذ، وأنه القوي الذي يحزر النصر بساعده القوي، البطل الذي لا نظير له عندما يشاهد منقضا على العدو، أو مقتربا من حومة الوغي، وهو الذي يثني القرون، ويضعف الأيدي ، وأعداؤه لا يمكنهم تنظيم صفوفهم.

وإنه لمنتقم محطم للجبناء ، ولا أحد يجسر علي الوقوف بجواره ، وهو الواسع الخطى ، المهلك للهارب ، ولا نهاية لمن يولي ظهره له، شجاع القلب عندما يرى الجموع، لا يسمح لقلبه بأيه راحة، الجسورعندما ينقض على الشرقيين ، وسروره أن يأسر " الربدتو" (العدو). وهو يقبض على درعة، ويدوس تحت القدم ( العدو )، ولا يعيد ضربته ليقتل.  أشترك في الحكم مع أبيه أمنمحات الأول في السنوات الأخيرة من حكمه. 

ولا نعرف تماما ما الذي أتخذه سنوسرت الأول مع المتآمرين الذين إغتالوا والده ، ويبدو أنه إتخذ معهم حلا جذرياً لأنه أصبح بعد ذلك فرعون مصر خلال الأسرة الثانية عشر وحكم ٤٢ سنة وقد أشرك معه إبنه أمنمحات الثاني في الحكم قبل وفاته بعامين بالتقريب .

أهم أعماله :

ولم يهتم سنوسرت الأول بالحالة الداخلية فقط بل وجه إهتمامه إلي البلاد التي علي حدود مصر سواء جنوباً أو شمالا. وكان قد بدأ غزواته جنوباً عندما كان شريكا مع والده في الحكم.

وفى العام الثامن عشر من حكمه إمتد نفوذه إلي كوش جنوب الشلال الثاني وكان اهتمام ملوك الدولة الوسطي بالنوبة أولاً لتثبيت نفوذ مصر هناك وثانيا للحصول علي منتجات هذه البلاد وكان أهمها البحث عن الذهب، فقد أرسل سنوسرت البعثات لاستغلال المناجم هناك .

كما أهتم بشبه جزيره سيناء لإحضار الفيروز والنحاس، ويبدو أن  الصلات بين المصريين والأسيويين كانت صلات وديه في ذلك الوقت إذ لم يحدثنا سنوهي الذي عاش هناك فتره من الزمن عن حدوث أي حرب بين مصر والآسيويين . وقد عثر أثناء الحفائر سواء في فلسطين أو في سوريا علي أشياء كثيرة مصرية ترجع للدولة الوسطي فقد عثر علي سبيل المثال علي عقد به خرطوش الملك سنوسرت الأول في مدينة رأس شمرة. وعلي أعداد كبيرة من الجعارين عليها نقش لإسمه في فلسطين.

وفي نهاية حكم سنوسرت الأول نرى أن شمال النوبة من الشلال الأول حتى الثاني أصبح تحت النفوذ المصري. أما أسيا فقد وصلت إلى حل سلمي للتعايش مع مصر، أما سيناء فقد إمتد فيها النفوذ المصري شرقاً وغرباً للبحث عن مناجم الصحراء. ولا شك أن الحالة الإقتصادية كانت علي أحسن ما يرام في عهده الملك سنوسرت الأول بدليل كثرة ما أبقاه لنا الزمن من عهد من آثار. إذا عثر علي بقايا أثرية من عهده فيما لا يقل عن٣٥ منطقة منتشرة بين الإسكندرية والنوبة ولعل من أهم المعابد التي شيدها لإله الشمس رع أتوم في مدينة عين شمس الذي بدأ تشييده في العام الثالث بعد إنفرادة بالحكم.

هذا المعبد لم يبق منه الآن غير مسلة واحدة من الأثنين اللذين أقامهما إحتفالا بالعيد الثلاثيني . وفي الكرنك شيد مقصورة جميلة صغيرة وجدت أحجارها كاملة داخل الصرح الثالث الذي شيده الملك أمنحوتب الثالث من ملوك الأسرة الثامنة عشرة وقد أعادت هيئة الآثار تشييدها هناك ويبدو أنها كانت مخصصة لإحتفالات عيد" السد" أو لإستراحة سفينة الإله آمون رع أثناء الإحتفالات الخاصة به .

وقد شيد سنوسرت الأول هرمه في منطقة اللشت إلي الجنوب من هرم أبيه أمنمحات الأول .

  • سنوسرت الثالث :  

ابن سنوسرت الثاني ، من ملوك الأسرة الثانية عشر ، لم تتح له الفرصة للمشاركة والده في الحكم وقد حكم مصر فتره تصل إلي ٣٥ عاما إستطاع فيها أن يقضي نهائيا علي نفوذ حاكم الأقاليم بعد ان زادت ثروتهم ونفوذهم، فجردهم من ألقابهم التي كانت أرثا لهم من بعدهم . وعراهم من مزاياهم فاصبحوا موظفين لا أكثر ولا أقل وبهذا عادت لمصر هيبة الملك الحاكم وقدسية .

وبذل سنوسرت الثالث جهداً كبيراً ليؤكد سلطانه في النوبة فقام_ بعد أن مهد بشق قناة في صخور الجندل الأول هناك - بأربع حملات تأديبية لسحق بلاد كوش - وقد انتهت هذه الحملات بضم النوبة نهائيا وأصبحت بلدة سمنة جنوبي الجندل الثاني تمثل حدود مصر الجنوبية وأطلق على قلعة سمنة الموجودة هناك إسم " قوي (الملك) خع كاو رع " وهو إسم العرش للملك سنوسرت الثالث وأصبحت هي وقلعة قمنة المقابلة لها علي الضفة الشرقية تتحكمان في الممرات النهرية والبرية علي حدود مصر الجنوبية .

وعلي لوحة تعرف اصطلاحا بلوحة الحدود أصدر مرسوما في العام الثامن من حكمه يمنع أهالي النوبة جنوبي منطقة سمنة أن يتخطوها شمالاً إلا إذا أتوا للتجارة أو بسبب عمل مشروع، وكان علي الدوريات المقيمة هناك بالإبلاغ عن أي تحركات مشبوهة للقبائل في هذه المنطقة .

وختم مرسومة بقولة " أن أيا من أبنائي يحفاظ علي هذه الحدود التي أقرها جلالتي فإنه أبني وولد مني ، وأما من يدمرها ويفشل في الحفاظ عليها فليس ابنا لي ولم يولد منى ".

ونعلم أن الملك تحتمسالثالث أحد ملوك الأسرة الثامنة عشرة إعتبر الملك سنوسرت الثالث إلها حاميا لمنطقة النوبة وذلك بعد أن شاهد كل ما قام به من أعمال هناك. أما في الشمال الشرقي فقد قام سنوسرت أيضاً بحملات لتعزيز سلطان مصر سواء في فلسطين أو سوريا .

ومات سنوسرت الثالث بعد أن شيد هرمه في دهشور .

  • أمنمحات الثالث :

كان لكل ما قام به والده سنوسرت الثالث سواء في الداخل من إصلاحات أو في الخارج من حروب الأثر في حياة الرخاء والسلام التي عاشها إبنه أمنمحات الثالث كملك لمصر واستمرت ٤٥ عاما وهبها كلها للنواحي الإقتصادية لمنفعة البلاد .

فقد اهتم بإرسال البعثات إلي مناجم سيناء لأستغلال النحاس والفيروز إذ عثر هناك علي أكثر من ٥٩ نقشا ً سجلها رؤساء العمال هناك بإسمه وترجع لعهده. كذلك أرسل البعثات إلي محاجر وأدى الحمامات لأستخراج حجر البازلت وإلي محاجر طرة لأستخراج الحجر الجيري الأبيض وإلي النوبة لأستخراج الذهب .

واهتم أيضاً بمشروعات الري فأكمل ما بدأه جده سنوسرت الثاني من إستصلاح للأراضي التي تغمرها بحيرة ميريس (قارون حالياً) فأقام الجسور لتحديد البحيرة وأمر بتجفيف مساحات كبيرة من الأراضي ( ٢٧ ألف فدان بالتقريب) لأستخدامها في الزراعة كما فكر في الأستفاده من المياه الزائدة شيده وذلك بتخزينها في البحيرة وتوجيهها في أيام التحاريق إلي مجري النيل وذلك بواسطة فتحات في سدود تفتح عند الحاجه إليها .

شيد الملك أمنمحات هرمين له - كما فعل سنفرو من قبل - الأول في دهشور والثاني في هوارة بالقرب من الفيوم. وكان للمعبد الجنزي لهذا الهرم شهرة واسعة في العصرين البطلمي والروماني وذلك لعظمته وتعدد حجراته فأطلقوا عليه إسم اللابيرانت نسبة إلي قصر اللابرانت الذي أقامه الملك مينوس في كنوسوس بجزيرة كريت. إلا أن تدمير المعبد الجنزي الكامل كان العقبة الكبرى في سبيل الحصول علي تفاصيل وتخطيط هذا المعبد .

  • السياسية الداخلية :

أما نظام الحكم الذي وضع في عهد الدلة الوسطي فيعتبر بالنسبة لتاريخ مصر عهد رخاء، اذ به وطدت وحدة البلاد، وامتدت حدودها، وهو في الواقع يعد عصراً ذهبياً، ويرجع الفضل في ذلك إلي قوة شكيمة مؤسسها العظيم وأخلافه من بعده في تنفيذ المنهاج الذي وضع لهذا النظام بكل دقه وعناية يشد أزرهما نشاط وحزم ، وإذا لم يصلنا من المعلومات عن النظم الإدارية إلا الشيء القليل نسبياً، فإن ما لدينا يمكننا من القول بأن ما بلغته مصر في ذلك العهد من التقدم لا يقل بكثير عما وصلت إليه حكومات عصرنا الحديث من النظام والعدالة الاجتماعية.  

وإذا كانت مصر في عهد الملوك الأول من الأسرة الثانية عشرة لا تزال تمثل في ظاهرها أحوال الحكومة الإقطاعية، فإن حقيقة الأمر تنبئ بأن العصر الذهبي للإقطاع قد أصبح خبر كان، حقا قد ظهر بلاط الأمراء بأبهة وفخامة أكثر مما كان في عهد الانتقال الذي كان عصر فقر وبؤس، ولكن ذلك في الواقع برق خلب، لا يمكن أن يعطينا صورة حقيقية عن قوتهم وعظم جاههم، إذ كان هؤلاء الأمراء في ذلك الوقت لا يستمدون مواردهم من قوتهم الشخصية ، بل من النشاط الجديد الذي ينبعث من حكومة قوية الأركان ، ومن الرخاء الذي تفيض به البلاد.

فمنذ عهد " امنمحات الأول" لم تعد المقاطعات تعتبر أنها حكومات داخل حكومة ، ويتضح ذلك من مجرد كون ملوكها يقيمون من جديد المعابد للآلهة المحليين في كل المقاطعات، وهذا برهان محس علي سيادتهم، وبخاصة إذا علمنا أنهم أقاموا هذه المعابد علي يد مهندسيهم وموظفيهم ، لا علي يد أمراء المقاطعات منذ زمن بعيد، ولكن في مقابل ذلك كانت تجبي الإتاوات من المواد الطبعية في كل المقاطعات للبيت المالك، وقد كان أمير المقاطعة مكلفا توريدها، وكانت تحضر بطاقات في مكتب الوزير ليحصي فيها كل سكان البلاد في سنين معينة .

عندما أعادت الأسرة الحادية عشرة توحيد مصر، كان عليها إنشاء إدارة مركزية كانت قد اختفت منذ سقوط حكومة المملكة القديمة. للقيام بذلك، عينت أشخاصًا في مناصب لم تعد مستخدمة في الفترة الانتقالية الأولى اللامركزية. وكان أعلاها الوزير. كان الوزير بمثابة رئيس الوزراء للملك، حيث يتولى جميع الأعمال اليومية للحكومة باسم الملك. كانت هذه مهمة ضخمة، لذلك تم تقسيمها في كثير من الأحيان إلى منصبين، وزير الشمال، ووزير الجنوب. من غير المؤكد عدد المرات التي حدث فيها ذلك خلال عصر الدولة الوسطى، ولكن من الواضح أن سنوسرت الأول كان لديه وزيران يعملان في وقت واحد. 

ورثت مناصب أخرى من شكل الحكم الإقليمي في طيبة الذي استخدمته الأسرة الحادية عشرة قبل إعادة توحيد مصر ، أصبح المشرف على السلع المختومة أمين خزانة البلاد، وأصبح المشرف على الممتلكات الوكيل الرئيسي للملك ، يبدو أن هذه المناصب الثلاثة بالإضافة إلى كاتب الوثيقة الملكية - ربما يكون كاتب الملك الشخصي - كانت أهم المناصب في الحكومة المركزية ، ويدل على ذلك عدد النصب التذكارية لأولئك الذين شغلوا هذه المناصب.

إلى جانب ذلك، أعيدت العديد من وظائف المملكة القديمة التي فقدت معناها الأصلي وأصبحت مجرد تكريم إلى الحكومة المركزية. كان من المسموح فقط للمسؤولين رفيعي المستوى أن يطالبوا بلقب عضو النخبة.

استمر هذا الشكل الأساسي للإدارة طوال عصر المملكة الوسطى ، على الرغم من وجود بعض الأدلة على إجراء إصلاح رئيسي للحكومة المركزية في عهد سنوسرت الثالث. تشيرالسجلات من عهده إلى أن مصرالعليا والسفلى قد تم تقسيمهما إلى أقسام منفصلة ويحكمهما إداريون منفصلون ، تشير الوثائق الإدارية والنُصُب إلى انتشار الألقاب البيروقراطية الجديدة في هذا الوقت ، والتي تم أخذها كدليل على وجود حكومة مركزية أكبر ، تم جعل إدارة المسكن الملكي قسم منفصل من الحكومة. وُضِع الجيش تحت سيطرة قائد عام. ومع ذلك، فمن الممكن أن هذه الألقاب والمنصاب لها تاريخ أقدم بكثير، ولم يكن يتم تسجيلها ببساطة على النصب الجنائزية بسبب الأعراف الدينية.

  • السياسية الخارجية :

كانت الثقافة والأنظمة الحكومية في عهد الدولة الوسطى مصريه بحته ، لا يعزى شيء منها إلي بلد اجنبي ، لذلك كان تقدمها محليا، ولكن هذه الحال قد أخذت تتبدل بعض الشيء علي يد ملوكها العظام، والواقع أن مصر كانت تجد كفايتها في تربة بلادها ، وكانت لا تخرج عن نطاق حدودها ، إلا عندما كانت إحدى الممالك المجاورة تهدد حدودها ، أو عندما كانت تغير علي تخومها طلبا للغنائم. ولم تشذ مصرعن هذه الخطة علي ما يظهر إلا عند قيامها بالتوسع في رقعتها من جهة الجنوب في أوائل الدلة الوسطي، حيث قد امتدت الحدود المصرية في عهد الدولة القديمة إلي الشلال الثاني ، وقد بقي السبب دعا إلي هذا الفتح غامضاً حتى كشفت عنه الحفائر الأثرية التي قامت في بلاد النوبة كما ذكرنا آنفا.

ولما تولي ملوك الأسرة الثانية عشرة عرش الملك، رأوا من واجبهم أن يعيدوا سيطرة الفراعنة القدامى علي فتوحاتهم في بلاد النوبة ويدافعوا عن حدودها الأخري بعد أن ضاعت في عهد الفوضى الذي تلا الأسرة السادسة . ففي أوائل عهد" أمنمحات الأول" نجد مذكورا ً في النقوش أن من بين أعدائه من المصريين، وعلي أيه حال فقد أفتخر قائدة " نسومنتو" بأنه قد هزم " المنتيو " ( الأسيويين) و" الحروشع " ، أي سكان الرمال من الأسيويين، وخرب قراهم، والظاهر أنه تقدم في زحفه حتي" فلسطين ".

ويرجح أن " أمنمحات الأول" كان أول من استعمرالواحات، وتدل النقوش التي عثر عليها حتى الآن أن الواحات كانت معروفة للمصريين منذ الدولة القديمة، إذ عثر علي نقش من عهد الأسرة السادسة لموظف يدعي" خوفوحر " وقد جاء فيه أنه ذهب إلي " إلفنتين" علي طريق الواحة ، ومن ذلك نعلم أن طريق القافلة التي كانت تربط الواحات المختلفة في الصحراء الغربية من جهة الشمال حتي" دارفور " كان معلوما في ذلك الوقت. والظاهر أن الواحات كانت آهلة بالسكان، غير أنها لم تكن علي ما يظهر تابعة لمصر ، ولكن عندما نظم "امنمحات الأول" مصر ثانية فإنه بدأ بسياسة حماية تخومه الغربية ، ولذلك أقام قلعة في" وادي النطرون" لهذا الغرض ، ومن المحتمل كذلك أنه أقام أخري في" الواحة الخارجة" .

  • الزراعة :

طوال تاريخ مصر القديمة ، تم الاعتماد على الفيضان السنوي لنهر النيل لتخصيب الأرض المحيطة به. كان هذا ضروريا للزراعة وإنتاج الغذاء ، هناك أدلة على أن انهيار المملكة القديمة ربما يرجع جزئيا إلى انخفاض مستويات الفيضانات، مما أدى إلى مجاعة ، يبدو أن هذا الاتجاه قد انعكس خلال السنوات الأولى للمملكة الوسطى، حيث تم تسجيل مستويات مياه عالية نسبيًا خلال معظم هذه الحقبة، بمتوسط غمر 19 مترًا فوق مستويات ما قبل الفيضان ، تتوافق سنوات ارتفاع مستويات الفيضان المتكررة مع أكثر فترات المملكة الوسطى ازدهارًا، والتي حدثت في عهد أمنمحات الثالث ، يبدو هذا مؤكدًا في بعض أدبيات تلك الفترة ، كما هو الحال في وصايا أمنمحات، حيث يخبرالملك ابنه كيف ازدهرت الزراعة في عهده.

وقد اهتم أمنمحات الأول بالزراعة فعمل الاتي :

واهتم أيضاً بمشروعات الري فأكمل ما بدأه جده سنوسرت الثاني من إستصلاح للأراضي التي تغمرها بحيرة ميريس (قارون حالياً) فأقام الجسور لتحديد البحيرة وأمر بتجفيف مساحات كبيرة من الأراضي ( ٢٧ ألف فدان بالتقريب) لأستخدامها في الزراعة كما فكر في الأستفاده من المياه الزائدة شيده وذلك بتخزينها في البحيرة وتوجيهها في أيام التحاريق إلي مجري النيل وذلك بواسطة فتحات في سدود تفتح عند الحاجه إليها .

  • التجارة :

تعتبر التجارة ركناً أساسياً من أركان الاقتصاد المصري ومساهما في واردات الدخل. فقد كانت لمصر علاقات تجارية مع العديد من البلدان المجاورة حتمتها حاجتها للعديد من المواد الأولية للأزمة للبناء والصناعة والزراعة، فضلاً عن تصدير المواد والسلع المصرية للخارج . كانت التجارة في بادئ الأمر مبادلة للفائض الزراعي ثم تطور الأمر فكانت الدولة هي القادرة علي تصدير هذا الفائض والقادرة علي تحديد حاجات البلد من المواد لأن القصور والمعابد هي المستهلك لمعظم هذه المواد وهي التي تمتلك الوسائل لإدامتها كالسفن والقوة العسكرية لحماية القوافل التجارية.

ومرت التجارة بثلاث مراحل :

  1. بدأت التجارة في و الاقتصاد عهد الدولة القديمة مع  الجنوب (بلاد النوبة) ومدن الساحل اللبناني.
  2. انتعشت الحركة التجارية في عهد الدولة الوسطى عن طريق تأمين الطرق وإقامة الحصون والمراكز التجارية وتوفير الحماية العسكرية وعملوا علي توصيل نهر النيل بالبحر الأحمر عن طريق فتح قنوات لتسهيل مرور السفن النهرية، ووصل النشاط التجاري في عهدها إلي جزر بحرايجه وكريت.
  3. لكن في عهد الدولة الحديثة تطورت التجارة بشكل كبير عن طريق العمليات العسكرية والعلاقات الدبلوماسية والمصاهرة السياسية فغدت التجارة حرة تربط الإمبراطورية بالجهات الأربعة وتتوفر فيها من السلع والحاجات من جميع الأرجاء فكان إنتاج الحرفيين الأجانب يصل مصر بكميات متزايدة فانعكس هذا علي الحرف المصرية وخاصة في مجال الزخرفة، فضلا عن وصول المنتجات المصنوعة في الورش المصرية إلي البلاد المجاورة . 

  • الخاتمة :

رغم مظاهر القوة هذه والرقي الحضاري التي سادت معظم فترات حكم ملوك هذه الأسرة إلا أنها تتواري في غموض لينتقل الحكم إلي أسرة جديدة هي الأسرة الثالثة عشرة فتدخل مصر خلالها مرحلة يسودها الضعف والتمزق. أما عن العوامل التي أدت إلى زوال حكم الأسرة الثانية عشرة وبالتالي الدولة الوسطى فهي ، بدون شك متعددة. وبتتبع الأحداث وملاحظتها يتبين لنا مدى تعددها وتنوعها.

وهي تتلخص في النقاط التالية :

الوسيلة التي وصل بها" أمنمحات الأول" إلي الحكم ونهايته توضحان الكثير :

  1. في اعتماد " أمنمحات الأول " علي حكام الأقاليم لتوطيد حكمه، واعتبار حكمه بداية لعهد جديد أي تكرار الولادة، هذا بالإضافة إلى نبوءة " نفرتي" أو" نفر رحو " التي تقدمه في صورة المخلص، مما يجعلنا نعتقد بأن هناك صراع علي الحكم انتصر فيه " أمنمحات الأول " وأعوانه على أنصار الأسرة السابقة .
  2. نهاية "أمنمحات الأول" المحزنة كما توضحها قصة سنوهي وبردية " نصائح أمنمحات الأول لولده سنوسرت " ، تدل على وجود نزاع علي السلطة داخل الأسرة الحاكمة .

  • التسلل الآسيوي وانتشار الآسيويين في البلاد بل وداخل منازل الأغنياء كخدم لهم ، يدل علي أن مقاومة ملوك الأسرة الثانية عشرة لهذا التسلل لم تكن ذات تأثير، ففي عصر سنوسرت الثاني كان هناك، إلي جانب التسلل غير المشروع زيارات ودية يقوم بها أقوام آسيويون كما توضح لنا مناظر مقبرة خنوم حتب الثاني التي تقدم لنا المناظر المنقوشة علي جدرانها هؤلاء الوافدين يقودهم رئيس يدعي " إبشا ". ويبدو أن مقاومة هذا التسلل الآسيوي قد اتخذت مظهر العنف ومظهر الود تارة أخرى كما يتضح لنا من :

  1. تحصين الحدود الشمالية الشرقية .
  2. اختيار موقع العاصمة الجديدة ( إيثت تاوي) في مواجهة الشمال الشرقي .
  3. الحملات العسكرية والزيارات الودية .

  • ازدياد نفوذ حكام الأقاليم ابتداء من عصر" سنوسرت الثانى " مما انعكس بالخير علي أقاليمهم من ناحية وأضعف من نفوذ الملوك من ناحية أخرى .
  • الأسرة الثانية عشرة أسرة حاكمة من أصل جنوبي ، تسمي أربعة من ملوكها بأسم" أمنمحات" ، تهجر الجنوب لتقيم وتدفن في شمال الوادي بل ينسب أحد ملوكها العظام، " سنوسرت الأول" ، الفضل في اعتلائه العرش إلي إله هليوبوليس" حور آختي" ، ويقيم له كذلك معبدا ضخما لم يبقي منه إلا بضع أحجار مبعثرة ومسلة المطرية الشهيرة، وهو أمر يدعو إلي التساؤل .
  • ظهور" نصوص اللعنة " وهي نصوص سحرية تنقش علي الأواني الفخارية الحمراء أو علي تماثيل بشرية صغيرة بدائية الصنع ، تستخدم في الطقوس الدينية أو السحرية ليصب بها الملك أو من يقوم بها اللعنة علي أعدائه أو علي من يتوقع منهم العداوة ، وردت عليها بالحذف أسماء بلاد آسيوية منها اسم أورشليم الذي يظهر لأول مرة في هذا العصر، وكذلك أسماء أشخاص منهم الآسيويون والنوبيون والتحنو وأيضاً أسماء مصرية مما يدل على تنوع جنسيات الأعداء وضعف قدرة الملوك علي الدفاع عن مصالح مصر أو مصالحهم الشخصية .
  • سلسلة الحروب المتواصلة أنهكت البلاد وشعبها.
  • النهاية السريعة لأسرة قوية ، ملك ضعيف" أمنمحات الرابع " يموت وتعتلى بعده العرش ربما أخته الملكة " سبك نفرورع " ( سبك كا رع ).

قائمة المصادر :

١- ١٠٠ حقيقة مثيرة في حياة الفراعنة، زاهي حواس ، دار النهضة مصر للنشر ، ص ١٤ .

٢- تاريخ مصر القديم من أفول الدولة الوسطى إلي نهاية الأسرات ، زكية يوسف طبوزادة ، قاهره ٢٠٠٨ ، ص ٦:٣.

٣- موسوعة الحضارة المصرية القديمة، سميره أديب ، العربي للنشر والتوزيع ، ص ١٩٨، ٥٢٣ ، ٥٢٥ ، ٧٦٨ 

٤- مجلة دراسات تاريخيه ، إيمان شمخي جابر ، جامعة البصرة ، كلية التربية للبنات .

٥- موسوعة مصر القديمة ، سليم حسن ، الجزء الثالث ، ص ٣٣١ ، ٣٤٩ ، ٣٧٧.

عبدالرحمن توفيق
عبدالرحمن توفيق
عبدالرحمن توفيق، باحث فى الديانة المصرية القديمة ونصوص العالم الأخر ، مرشد سياحى وعاشق لتاريخ وحضارة مصر القديمة ، أتمنى من الله سبحانه وتعالى أن ما نُقدمه ينال رضاء حضراتكم
تعليقات