القائمة الرئيسية

الصفحات

حرب 1956 أسبابها ونتائجها

حرب العدوان الثلاثى 1956 أسبابها ونتائجها
دمار البنية التحتيحة لمدينة السويس

بقلم / أمانى رخا 

حرب 1956 أسبابها ونتائجها تعرف في مصر والدول العربية بحرب العدوان الثلاثى عام 1956 نظراً لأن وقائع العمليات العسكرية حدثت في عام 1956، أو العدوان الثلاثي لأنها كانت نتيجة مؤامرة ثلاثية بين دول بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ، وتعرف فى الدول الغربية ب أزمة السويس أو حرب السويس.

نظراً لأن السبب المعلن للعدوان العسكري كان تأمين الممر الملاحي لقناة السويس ، وكما تعرف فى إسرائيل بحرب سيناء نظراً لأن دور الهجوم الإسرائيلي المخطط له كان موقعه شبه جزيرة سيناء ، أو العملية قادش لما يعتقده بعض الباحثين اليهود بأن مدينة «قادش بارنيا» - المذكورة في التوراة - تقع في منطقة شمال سيناء ؛ وتعد ثاني الحروب العربية الإسرائيلية بعد حرب 1948، وهي حرب شنتها كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر في عام 1956م ، إثر قيام الرئيس جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس وكانت كل من بريطانيا وفرنسا قد أتفقتا مع إسرائيل على أن تقوم القوات الإسرائيلية بمهاجمة سيناء وحين يتصدى لها الجيش المصري تقوم بريطانيا وفرنسا بالتدخل وإنزال قواتهما في منطقة قناة السويس ومحاصرة الجيش المصري ؛ ووقع العداون الثلاثي على مصر في يوم 29 أكتوبر من عام 1956 , حيث نفذت إسرائيل هجومها على سيناء ونشبت الحرب فأصدرت كل من بريطانيا وفرنسا إنذاراً بوقف الحرب وإنسحاب الجيش المصري والإسرائيلي لمسافة 10 كم من ضفتي قناة السويس مما يعني فقدان مصر سيطرتها على قناة السويس.

وعندما رفضت مصر نزلت القوات البريطانية والفرنسية في بورسعيد ومنطقة قناة السويس إلا أن الجيش المصري لم يحاصر لأن قطاعاته كانت قد أنسحبت ؛ وكان واضحاً أن ما حدث هو مؤامرة بين الدول الثلاث فأصدر الأتحاد السوفيتي إنذاراً بضرب لندن وباريس بالصواريخ الذرية وأمرت أمريكا بريطانيا وفرنسا بالأنسحاب الفوري من الأراضى المصرية وأنتهت الحرب بفضيحة كبرى وخرج عبد الناصر منتصراً نصراً سياسياً كبيراً.

تأميم قناة السويس والنتائج المترتبة عليها :

یعتبر قرار تأمیم شركة قناة السویس في 26 یولیو 1956 ، مرحلة من مراحل تحریر مصر من القیود الأقتصادیة ، بعد أن تحررت من قیودها السیاسیة و العسكریة ، و هذا القرار هو رد فعل على فشل مشروع السد العالي الذي رفضت تمویله الدول الغربیة حیث ساندت الدول العربیة مصر في قرارها ، هذا القرار الذي جاء لدول المساهمة في شركة القناة ضربة قاصمة لاحتكاراتها الإستعماریة في المنطقة وعلى إثره تم تجمید الأرصدة في دول العدوان ، وقد تم تحالف كل من بریطانیا وفرنسا وإسرائيل بعد تحضیر المؤامرة للعدوان الثلاثي على مصر في 29 أكتوبر 1956 .

حرب العدوان الثلاثى 1956 أسبابها ونتائجها
قرارتأميم قناة السويس

وهنا أعتمدت مصر في تفكیرها بتأمیم شركة القناة على مجموعة من المعطیات ، إذا بعد إنتهاء تبعیة مصر لتركیا وفرض الحمایة الإنجلیزیة على مصر، وجاءت من بعدها ( معاهدة فرساي ) والتي قررت فیها المادة 153 ، أن الدفاع عن القناة موكل لمصر دون غیرها ، وهذا ما أخذت منه مصر مشروعیتها في تأمیم القناة ؛ وعندما خاضت مصر معركة لتنمیة بلادها فعملت على إستغلال جمیع إمكانیاتها وخاصة قناة السویس بصفتها صاحبة هذه القناة والشركة التي تشرف على الملاحة في هذه القناة ، وبذلك لجأت مصر إلى البنك الدولي للحصول على القرض اللازم لتمویل مشروع السد العالي ، وهنا تختلف الآراء في تاریخ تفكیر مصر بتأمیم شركة قناة السویس ، حیث یشیر كنیتلاف أن جمال عبد الناصر قد صرح سنة 1966.

أن تأمیم شركة قناة السویس جاء كفكرة لتمویل مشروع السد العالي ، وهذا ما قاله كذلك سفیر مصر في الولایات المتحدة أحمد حسین ویذكر ثروت عكاشة وكان ملحقاً عسكریاً لمصر في باریس ، أن جمال عبد الناصر قد أفضى له بأنه أتخذ قرار تأمیم شركة القناة وأعد لجنة من الخبراء للاهتمام بالمشروع ، أما بالنسبة إلى ما جاء في مذكرات البغدادي فیشیر إلا انه سمع بالقرار عن طریق على صبرى في 21 یولیو 1956 ، وقد كان هناك لقاء جمعه مع عبد الناصر في منزله اخبره على إثره بأنه سوف یشید السد العالي من دخل القناة وهذا ما ذكره روبرتسون في كتابه ˝ الأزمة ˝ ، وأن قرار التأمیم كان یوم السبت 21 یولیو 1956 .

وحدث هذا عندما تم سحب الموافقة لدعم مشروع السد العالي في یولیو 1956 ، فحينها رد جمال عبد الناصر بأنه سیمول هذا المشروع بتأمیم القناة ، وقد صرح جمال عبد الناصر للوزراء بأنه أعد وثائق تأمیم قناة السویس و أنه سیعلنها بعد خطبته ، وقال أن دالاس قد بالغ في الإساءة لمصر عند إعلانه سحب تمویل مشروع السد العالي ، حیث قام جمال عبد الناصر بعقد أجتماع لأعضاء مجلس قیادة الثورة حضره كل من عبدالحكیم عامر ، وعبد اللطیف البغدادي ، وزكریا محي الدین ، وبعد العدید من الأجتماعات تم الموافقة على هذا المشروع .

جاء قرار قانون رقم 285 سنة 1956 ، یقضى بتأمیم شركة قناة السویس حتى تستطیع مصر بموارد القناة أن تبني إقتصادها ، والواضح أن تطور مسألة القناة مرتبط بمنطقة الشرق الأوسط وما لهذه المنطقة من أهمیة إستراتیجیة لدى الدول الغربیة ، وخاصة بعد قرار تأمیم شركة قناة السویس و إلغاء شركة القناة التي كانت تدیرها وتملك معظم أسهمها هذه الدول الغربیة ( بریطانیا وفرنسا ) ، وهذا ما یهدد مصالحها في المنطقة ، وبعد إعلان مصر في 24 تشرین الأول 1956 ،عن إغلاق مضیق تیران الذي یتحكم بخلیج العقبة ، الذي یمثل الشریان الحیوي والخط الملاحي لإسرائیل وهذا ما یهدد مصالحها ، ولذلك عمل بیغن إلى الدعوة لحرب وقائیة ضد مصر ، حیث في أواخر عام 1956 بدأت إسرائیل في الإعتداء على مصر من خلال الهجمات البریة علي الحدود الإسرائیلیة المصریة ، ودخلت إلى جانب هذا الإعتداء كل من فرنسا و إنجلترا إلى جنب إسرائیل في هذه المؤامرة المدبرة مسبقا للإعتداء على مصر ، وقد جاء هذا التواطؤ بین كل من إسرئیل وفرنسا وبریطانیا تلبیة لرغبات هذه الدول الثلاث وخاصة إسرائیل التي كانت تأمل إلى غزو صحراء سیناء والدخول إلى منطقة القناة عبر قطاع غزة .

حيث في عید الثورة المصریة ، وفي میدان أحمد عرابي بالإسكندریة وقف رئیس الجمهوریة المصریة یشرح للشعب أن مصر أضطرت إلى أن تكافح من أجل قناة السویس لتخلصها من الأحتلال الأجنبي شارحاً بذلك الضغوط التي تحملها مصر من الغرب ، وألقي جمال عبد الناصر في مساء یوم 26 تموز ( یولیو) 1956 ، خطاباً في حفل شعبي ضخم بالإسكندریة أعلن فیه أنه أمم قناة السویس ، وجعلها مؤسسة مصریة ، كما أشار إلي أن مصر تعترف بكافة الحقوق المشروعة لحملة أسهم الشركة المنحلة ؛ قد جاء في مضمون خطاب جمال عبد الناصر قرار إعلانه تأمیم شركة قناة السویس في 26 یولیو 1956 ؛ ومن مقتطفات خطاب جمال عبد الناصر والمواد التي جاءت فیه :  قرار من رئيس الجمهورية بتأميم الشركة العالمية لقنال السويس البحرية.

بأسم الأمة.. بأسم الأمة

رئيس الجمهورية..

  1. مادة ١: تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية ، وينتقل إلى الدولة جميع ما لها من أموال وحقوق وما عليها من إلتزامات ، وتحل جميع الهيئات واللجان القائمة حالياً على إداراتها ، ويعوض المساهمون وحملة حصص التأسيس عما يملكونه من أسهم وحصص بقيمتها ، مقدرة بحسب سعر الإقفال السابق على تاريخ العمل بهذا القانون فى بورصة الأوراق المالية بباريس ، ويتم دفع هذا التعويض بعد إتمام أستلام الدولة لجميع أموال وممتلكات الشركة المؤممة.
  2. مادة ٢: يتولى إدارة مرفق المرور بقناة السويس مرفق عام ملك للدولة.. يتولى إدارة مرفق المرور بقناة السويس هيئة مستقلة تكون لها الشخصية الأعتبارية ، وتلحق بوزارة التجارة ، ويصدر بتشكيل هذه الهيئة قرار من رئيس الجمهورية ، ويكون لها - فى سبيل إدارة المرفق - جميع السلطات اللازمة لهذا الغرض ، دون التقيد بالنظم والأوضاع الحكومية.ومع عدم الإخلال برقابة ديوان المحاسبة على الحساب الختامى ، ويكون للهيئة ميزانية مستقلة ، يتبع فى وضعها القواعد المعمول بها فى المشروعات التجارية ، وتبدأ السنة المالية فى أول يوليو ، وتنتهى فى أخر يونيو من كل عام ، وتعتمد الميزانية والحساب الختامى بقرار من رئيس الجمهورية ؛ وتبدأ السنة المالية الأولى من تاريخ العمل بهذا القانون وتنتهى فى أخر يونيه سنة ١٩٥٧ ؛ ويجوز للهيئة أن تندب من بين أعضائها واحداً أو أكثر لتنفيذ قراراتها أو للقيام بما تعهد إليه من أعمال ، كما يجوز لها أن تؤلف من بين أعضائها أو من غيرهم لجاناً فنية ؛ للأستعانة بها فى البحوث والدراسات ، ويمثل الهيئة رئيسها أمام الهيئات القضائية والحكومية وغيرها،  وينوب عنها فى معاملتها مع الغير.
  3. مادة ٣: تجمد أموال الشركة المؤممة وحقوقها فى جمهورية مصر وفى الخارج ، ويحظر على البنوك والهيئات والأفراد التصرف فى تلك الأموال بأى وجه من الوجوه ، أو صرف أى مبالغ أو أداء أية مطالبات أو مستحقات عليها إلا بقرار من الهيئة المنصوص عليها فى المادة الثانية.
  4. مادة ٤: تحتفظ الهيئة بجميع موظفى الشركة المؤممة ومستخدميها وعمالها الحاليين ، وعليهم الأستمرار فى أداء أعمالهم ، ولا يجوز لأى منهم ترك عمله أو التخلى عنه بأى وجه من الوجوه ، أو لأى سبب من الأسباب ؛ إلا بإذن من الهيئة المنصوص عليها فى المادة الثانية.
  5. مادة ٥: كل مخالفة لأحكام المادة الثالثة يعاقب مرتكبها بالسجن والغرامة توازى ثلاثة أمثال قيمة المال موضوع المخالفة ؛ وكل مخالفة لأحكام المادة الرابعة يعاقب مرتكبها بالسجن ، فضلاً عن حرمانه من أى حق فى المكافأة أو المعاش أو التعويض.
  6. مادة ٦: ينشر هذا القرار فى الجريدة الرسمية ، ويكون له قوة القانون ، ويعمل به من تاريخ نشره ، ولوزير التجارة إصدار القرارات اللازمة لتنفيذه.

وكان قرار هذا التأمیم مستنداً على دراسات و إستنتاجات أتخذت مصر على أساسها قرار التأمیم لشركة القناة و من بین هذه الإستنتاجات ، عدم إمكانیة لجوء بریطانیا لوحدها إلي رد فعل علي هذا القرار أو حتى بالتنسیق مع فرنسا و إسرائیل على القیام بعملیة عسكریة ضد مصر لان هذا یضر بمصالحها في المنطقة ؛ وإن مصر في تأمیمها لشركة قناة السویس ، لم ترتكب عملا جائراً ، فهي دولة مستقلة ذات سیادة ، مارست حقاً مشروعاً ولم تخترق أحكام القانون الدولي الخاص والعام ، حیث عبرت مصر عن حقها في أمتلاك قناة السویس باعتبارها مرفق مصري ، وشركة القناة هي شركة مصریة یجب إخضاع مرافقها للإدارة المصریة مباشرة .

وعلى الرغم من مشروعیة القرار الذي أتخذته مصر بتأمیم شركة قناة السویس ، إلا أنها شهدت تدخلاً عسكریاً عنیفاً شاركت فیه كل من بریطانیا وفرنسا ، فور إعلان قرار التأمیم فى 26/07/1956 ، علماً أن أحد أطراف هذا الأعتداء ، وهي بریطانیا وبمساهمة من البنك الدولي قد عملوا على سحب العرض الذي كانوا قد تقدموا به ، لتمویل مشروع السد العالي ؛ وقد تواطأت في ذلك التدخل الصهیونیة إسرائیل، وهذا التدخل الذي یطلق علیه المؤرخون العدوان الثلاثي على مصر، ویعد ذلك مؤشراً للإبعاد الإستعمار والصهیونیة من أجل ضرب القومیة العربیة ، وخاصة في معاقلها ومن بینها مصر، إذا تعتبر الصهیونیة العالمیة و إسرائیل هما العدو الأول والمباشر للعرب والمسلمین ، حیث تساهم في هذا العداء الدول الغربیة ، وتغذیه الولایات المتحدة الأمریكیة ، ونتيجة لهذا اندلعت الحرب فى 29 أكتوبر 1956 .

أسباب حرب 1956 :

بدأت جذور أزمة السويس في الظهور عقب توقيع إتفاقية الجلاء سنة 1954 ، بعد مفاوضات مصرية بريطانية رافقتها مقاومة شعبية شرسة للقوات الإنجليزية بالقناة ؛ ولكن بدت علاقة عبد الناصر مع الدول الغربية في تلك الفترة في صورة جيدة خاصة مع موافقة البنك الدولي بدعم أمريكي بريطاني على منح مصر قرضاً لتمويل مشروع السد العالي الذي كان يطمح به عبد الناصر أن يحقق طفرة زراعية وصناعية في البلاد ؛ وفي تلك الفترة كانت المناوشات الحدودية مستمرة بشكل متقطع بين الدول العربية وإسرائيل منذ حرب 1948، وأعلن عبد الناصر صراحة عداءه لإسرائيل ، وضيّق الخناق على سفنها في قناة السويس وخليج العقبة.

ما شجع إسرائيل ووجدت فيه تعليلاً لتدعيم ترسانتها العسكرية عن طريق عقد صفقة أسلحة مع فرنسا ، فقرر عبد الناصر طلب السلاح من الولايات المتحدة وبريطانيا ، إلا أنهما ماطلتا في التسليم ورفضتاه في النهاية معللتين ذلك بوضع حد لسباق التسليح في الشرق الأوسط ، لم يجد عبد الناصر بديلاً إلا أن يطلب السلاح من الأتحاد السوفيتي وهو ما قابله الأخير بالترحيب لتدعيم موقفه بالمنطقة ؛ فقررت كلٌ من بريطانيا والولايات المتحدة الرد على الخطوة المصرية ، والرد على رفض عبد الناصر الدخول في سياسة الأحلاف التى كانت ترفض تدخل الأتحاد السوفيتى فى الشرق الأوسط لانه يهدد أهدافهم فى دول الشرق ، وأيضاً رفض عبد الناصر الصلح مع إسرائيل طبقاً لشروط الغرب كما أقرتها الخطة " ألفا " وذلك بوضع خطةٍ جديدةٍ أُطلق عليها "أوميجا" وهدفت إلى تحجيم نظام عبد الناصر عبر فرض عقوبات على مصر بحظر المساعدات العسكرية ، ومحاولة الوقيعة بينها وبين أصدقائها العرب ، وتقليص تمويل السد للضغط على عبد الناصر من أجل الموافقة على مطالبهم وعندما لم يغير عبد الناصر موقفة تم إلغاء تمويل السد بالكامل في وقت لاحق.

وحينها رأى عبد الناصر في تأميم قناة السويس فرصته الوحيدة للحصول على التمويل اللازم لبناء السد العالي ، وبالفعل أعلن في 26 يوليو 1956 قرار التأميم ، ومع فشل الضغط الدبلوماسي على مصر للعدول عن قرارها قررت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل وضع خطة لاستخدام القوة العسكرية ضد مصر أُطلق عليها بروتوكول سيفرز آملين بذلك تحقيق مصالحهم من تلك الضربة ، فعلى الصعيد البريطاني كان الهدف التخلص من عبد الناصر الذي هدد النفوذ البريطاني بتحقيق الجلاء ، وتحالف مع السوفييت ، وأمم القناة التي تمر منها المصالح البريطانية ؛ وعلى الصعيد الفرنسي كانت فرصة للأنتقام من عبد الناصر الذي ساند ثورة الجزائر ، وأمم القناة التي كانت تحت إدارة فرنسية ؛ في حين وجدت إسرائيل فرصتها لفك الخناق المحكم على سفنها في قناة السويس وخليج العقبة ، وتدمير القوات المصرية في سيناء والتي كانت تشكل تهديداً صريحاً لها.

ونجد أنه عندما تقوم ثلاثة دول بالتعاون معاً ضد دولة واحدة يعنى أن هناك مصلحة مشتركة فيما بينهم ؛ وهنا حيث كان لكل دولة من الدول التي أقدمت على العدوان أسبابها الخاصة للمشاركة فيه ونلخص هذه الأسباب فى :

  1. دعم مصر لثورة الجزائر بالسلاح والمال والمدربين الأمر الذي هدد التواجد الفرنسي في أفريقيا.
  2. توقيع مصر إتفاقية مع الأتحاد السوفيتي تقضي بتزويد مصر بالأسلحة المتقدمة والمتطورة بهدف تقوية القوات المسلحة لردع إسرائيل ، مع العلم أن توقيع هذه الإتفاقية لم يأت إلا بعد رفض الدول الغربية تزويد مصر بالأسلحة ، الأمر الذي أثار حماسة إسرائيل للأشتراك في هذا العدوان لأنها رأت أن تزوّد مصر بالأسلحة المتطورة تهدد بقاءها وكما أن إسرائيل كانت مهمتها أثناء العدوان أن تقصف فلسطين جوًا وبرًا وتحتل أجزاءً منها بالإضافة إلى إحتلالها لسيناء في مصر.
  3. تأميم قناة السويس الذي أعلنه الرئيس جمال عبد الناصر في يوم 26 يوليو عام 1956، وهذا التأميم منع إنجلترا من التواجد والتربح من القناة التي كانت تديرها قبل التأميم وبذلك دخلت إنجلترا في العدوان الثلاثي.
  4. إرادة إسرائيل أستكمال مشروع دولتها من الفرات إلى النيل وهذا ما كان يخططه قائد عملية المسكيتي تشارلز فريدريك كيتليى.

وكانت الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً شريكاً رابعاً فى العدوان الثلاثى سنة 1956 ، ولكنها أختلفت مع فرسانها الثلاثة فى أسلوب التنفيذ ، وفى التوقيت ، وفى الأعداد السياسى له ، وكان ذلك الخلاف ومضاعفاته هو ما قادها فى - راضية أو كارهة - إلى دور غريب فى حرب السويس ساعد على إنتصار مصر وعلى هزيمة الفرسان الثلاثة ، وهم أقرب الحلفاء إليها وأعز الأصدقاء ؛ ونستطيع القول أن الولايات المتحدة كان لها هدف ثابت لم تحد عنه ، وهذا الهدف هو : تحقيق صلح بين مصر وإسرائيل وترتيب أوضاع المنطقة على هذا الأساس تحت مظلة النفوذ الأمريكي بالطبع ؛ وتحقيق الصلح بين مصر وإسرائيل يشمل ضمناً مطالب متعددة تمهد له وتفتح الطريق إليه ، كمطلب عزل مصر عن العالم العربي ، وبديهى أن مصر المعزولة عن العالم العربي هى مصر المستعدة للصلح مع إسرائيل ، وكمطلب سلب العرب خيار الحرب ، وأن العالم العربي بغير مصر لا يستطيع ان يحارب ، وكمطلب تأمين تدفق البترول العربي بأسعار مناسبة وبغير أنقطاع ، وأن هذا يتحقق إذا توقفت المقاومة الفعالة فى العالم العربي وهى تتوقف إذا غابت مصر، وأيضاً كمطلب تصفية القضيةالفلسطينية ، وأن هذه القضية يسهل تصفيتها إذا كانت مصر خارج الصراع ؛ وكان هدف تحقيق صلح بين مصر و إسرائيل وراء محاولة الولايات المتحدة أن تقترب من الثورة المصرية منذ أول يوم لها ، وأن تحاول غوايتها وأحتواءها دائماً من أجل تحقيق أهدافها الخاصة .

وكانت هذه الأسباب التى أدت للعدوان حيث كان لكل من إنجلترا وفرنسا وإسرائيل أهداف خاصة ومشتركة فيما بينهم وقاموا بالتحالف والمؤامرة ضد مصر لتدمير الجيش المصرى والسيطرة على الأرادة المصرية ولكنهم فشلوا بسبب الولايات المتحدة الصديق الرابع الذى غير رائيه من أجل الحفاظ على نفسه وتحقيق اهدافه فيما بعد ، وأيضا بسبب تهديد الأتحاد السوفيتى لهم بالقصف وهذا يعد أنتصاراً لمصر .

أحداث حرب 1956 :

في 25 أكتوبر 1956 صدر القرار النهائي بتنفيذ "الخطة موسكتير المعدلة النهائية"، فبدأت قوات العدوان التحرك من قواعدها بالجزائر وجنوب فرنسا واستأنفت طائرات المستير الفرنسية رحلاتها المتجهة إلى إسرائيل ، وأعلن أن تحركات الأسطول البريطاني الفرنسي ليست إلا مناورة تدريبية ؛ وقامت إسرائيل كذلك بتعبئة قواتها سرًا على مراحل متتالية وأعدت ترتيباتها النهائية للحرب ، وأخطرت شركاءَها أن " العملية قادش " .

سوف تبدأ يوم 29 أكتوبر كما هو محدد ؛ و كان الموقف العسكري في سيناء مكشوفًا ، فتحسبًا للتهديدات البريطانية الفرنسية بإنزال قواتٍ في منطقة القناة أصدرت القيادة المصرية الأوامر إلى قواتها في سيناء بالإنسحاب في الفترة من أغسطس إلى منتصف أكتوبر 1956 -عندما كانت أزمة السويس على أشدها- خشية تبعثر قوات الجيش في الصحراء بين الحدود ومنطقة القناة وإمكانية حصارها وعزلها في حالة هجوم بريطاني فرنسي ، ولم يبق في سيناء سوى ست كتائب (أثنتان في أم قطف، وأثنتان في الشيخ زويد، وأثنتان في العريش).

حرب العدوان الثلاثى على مصر 1956 أسبابها ونتائجها
نزول القوات الأجنبية مصر

وبدأت المعارك الحربية بين مصر وإسرائيل في الساعة السادسة من مساء يوم 29 أكتوبر 1956 ، بعدوان إسرائيلى غاشم ومفاجئ على سيناء حيث أعلنت إسرائيل أن هذا التحرك العسكري جاء ردًا على أعتداء الجيش المصري على خطوط المواصلات الإسرائيلية في البر والبحر بهدف تدميرها وحرمان المواطنين الإسرائيليين من الحياة الآمنة ، وفوجئت القيادة المصرية بالهجوم حيث كانت تحت تعتقد أن مشكلة القناة في طريقها إلى حل سياسي ، وأسقطت إسرائيل الكتيبة 809 مظلات وقوامها 400 جندى من المظليين عند ممر متلا وعلى مقربة من القوات المصرية وقد تم إسقاط هذه الكتيبة الإسرائيلية بواسطة 16 طائرة نقل إسرائيلية من طراز داكوتا. 

ولكن كانت أحداث اليوم الأول للقتال غامضة حيث بدأت القوات المصرية في سيناء بتحركات بسيطة لصد الهجوم الإسرائيلى دون أن تعلم ما يخبأ لها من عدوان ثلاثى لذلك حرصت القوات المصرية على أن لا تلقى عندما لوحظ أن النشاط الجوى المعادى فوق سيناء يفوق إمكانيات الطيران الإسرائيلى وحده لاحت للقيادة المصرية بوادر اشتراك أطراف أخرى في المعركة.

في صباح اليوم الثانى 30 أكتوبر 1956 تقدم اللواء الإسرائيلى 202 مظلات إلى منطقة التمد التى كانت بها كتيبة من سلاح الحدود المصرى وعند ذلك قاتلت الكتيبة المصرية ببسالة وبينما كان القتال يجرى في التمد كان أربع طائرات ميج 15 مصرية تلقى بقذائفها على كتيبة المظلات الإسرائيلية مما كبدها خسائر جسيمة وفى نفس الوقت قامت القوات الجوية المصرية بضرب مطار رامات دافيد أعتبارا من بعد ظهر يوم 30 أكتوبر كما تم ضرب مطار عكير الإسرائيلى وكذلك مطار كاستينا.

في الساعة السادسة والربع من مساء يوم 30 أكتوبر 1956 أذاعت إنجلترا وفرنسا إنذارهما الشهير إلى كل من مصر وإسرائيل ليسحب كل منهما قواته إلى مسافة عشرة أميال من قناة السويس وكان نص الإنذار كالتالى: إن حكومة المملكة المتحدة وفرنسا تطالبان الحكومة المصرية بما يلى:

  • أولا: وقف جميع العمليات الحربية في البر والبحر والجو وخلافه.
  • ثانيا: أن تنسحب جميع القوات المسلحة إلى مسافة عشرة أميال من قناة السويس.
  • ثالثا: أن تقبل مصر بالإحتلال المؤقت للمواقع الحيوية في بورسعيد والإسماعيلية والسويس بواسطة القوات الإنجليزية والفرنسية وذلك حتى يتسنى ضمان حرية الملاحة ومرور سفن جميع الدول عبر القناة وحتى يمكن الفصل بين المتحاربين ؛ وأضاف البيان أن حكومتى المملكة المتحدة وفرنسا تطالبان بالرد على هذا التبليغ في خلال 12 ساعة وفى حالة انتهاء الوقت دون قيام إحدى الدولتين أو كلتيهما بالإذعان لتلك الطلبات فإن قوات المملكة المتحدة وفرنسا ستدخل بالدرجة الكافية لضمان الإذعان -أى إنهاء الإنذار في الساعة السادسة والربع صباح يوم 31 أكتوبر 1956.

ردت إسرائيل بالإيجاب على الإنذار الثنائي شريطة أن يصل رد إيجابي من مصر، وهو ما لم يحدث حيث ردت مصر برفضها قبول الإنذار ، في الوقت نفسه أرسلت الولايات المتحدة برقية إلى إسرائيل تطلب فيها سحب القوات الإسرائيلية وعندما لم تتلق ردًا من إسرائيل طلبت عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن قُدم فيه مشروع قرار بأن تسحب إسرائيل قواتها ، وأن تمنتع الدول الأخرى عن أستخدام القوة أو التهديد بها ، وأستخدمت بريطانيا وفرنسا حق الفيتو ضد هذا القرار.

ورفضت الحكومة المصرية بالطبع الإنذار البريطانى الفرنسى لأن القوات الإسرائيلية كانت بعيدة جداً عن قناة السويس بل ومتورطة في قتالها مع القوات المصرية في سيناء خصوصاً بعد وصول الآلاى الثانى المدرع المصرى القادم من الإسماعيلية إلى منطقة الأشتباكات وتكبيده لواء المظلات الإسرائيلى خسائر فادحة.

وهنا أصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية القرارات التالية:

  1. - توقف جميع الأعمال التعرضية والتحركات إلى الأمام في سيناء.
  2. - تتخذ الإجراءات لسحب الأحتياطى الأستراتيجى من سيناء إلى غرب القنال.
  3. - يتحرك الأحتياطى المدرع للقيادة الشرقية من منطقة الحمة إلى منطقة الجفجافة توطئة لسحبه غرب القناة.
  4. - تستعد القوات الأخرى بسيناء للأنتقال إلى غرب القناة بمجرد صدور أوامر وأعمال إعادة التجميع.

خاضت القوات الإسرائيلية معارك عنيفة أمام القوات المصرية أنتهت بإستيلائها على أبو عجيلة وبير حسنة وجبل لفني وبير حما، وأستغلت الفرصة كذلك لإحكام الخناق حول القوات المصرية في أم قطف وأم شيهان بالإستيلاء على منطقة "روفادام" ، ولكن بعد معارك خسرت فيها كثيرًا ، وأنتهت بتراجع القوات المصرية إلى العريش لتسيطر القوات الإسرائيلية بذلك على الطرق الثلاث التي تتحكم في جنوب سيناء ؛ وفي ممر متلا ظلت قوات المظلات الإسرائيلية تقاتل لمدة سبع ساعات ، وحاولت إحتلال الممر بإرسال كتيبة مدرعة ولكن حاصرتها القوات المصرية وكبدتها خسائر فادحة.

وبعد قتال عنيف أستولت القوات الإسرائيلية على الممر في معركة وصفها موشيه ديان بأنها لم تخض مثلها وحدة مقاتلة من قبل ؛ وأصدرت رئاسة الأركان الإسرائيلية تعليماتها بتأجيل الهجوم على "أم قطف" أنتظارًا للضربة الجوية الأنجلو-فرنسية المخطط لها حتى لاتتعرض القوات الإسرائيلية لخسائر يمكن تفاديها بعد الضربة ، فضلًا عن إضفاء صورة العملية الإنتقامية على تحركاتها قبل تلك الضربة وإبعاد شبهة الحرب ، ولكن خلافًا لتلك التعليمات قامت القيادة الجنوبية الإسرائيلية منتصف ليلة 29/30 أكتوبر بإصدار أوامرها إلى اللواء 10 مشاة بالإستيلاء على موقع "أم قطف" -الذي كان يشكل بجانب موقع "أم شيهان" عائقاً أمام تقدم القوات الإسرائيلية نحو القطاع الأوسط من سيناء- استغلالًا لعنصر المفاجأة.

ولكن فشل الهجوم الإسرائيلي على أم قطف ، ونجح قائد اللواء 6 مشاة المصري الذي كلف بالدفاع عن تلك المنطقة بكتائبه غير المكتملة العدد أوالعتاد في صد الهجمات المتتالية للقوات الإسرائيلية ، بل ونجحت قواته في تنفيذ هجوم مضاد ، وبالرغم من التفاف القوات الإسرائيلية حولها (من الشرق باللواء 10 مشاة ، ومن الغرب باللواء 7 مدرع ، ومن الجنوب الشرقي باللواء 37 ميكانيكي ، ومن الجنوب الغربي باللواء 4 مشاة) لكنها لم تنجح في أختراق الدفاعات المصرية ، وقُتل خلال المعارك قائد اللواء 37 ميكانيكي ، وعلى إثر ذلك الفشل قام قائد القيادة الجنوبية بتغيير قائد اللواء 10 مشاة.

وظلت القوات المصرية صامدة في أم قطف دون إمدادات تُمني القوات الإسرائيلية بخسائر فادحة حتى وصلت إليها أوامر القائد العام بالإنسحاب شأنها شأن جميع القوات المصرية في سيناء ، ونجحت قوات اللواء 6 مشاة المصري في إخلاء أغلب أفرادها وتعطيل معداتها الثقيلة دون أن تشعر بها القوات الإسرائيلية ، وعندما عاودت القوات الإسرائيلية ظهر يوم 2 نوفمبر الهجوم من الشرق والغرب بسريتي دبابات بعد تمهيد مدفعي وجوي ، أشتبكت القوات الإسرائيلية مع بعضها في المواقع الخالية ودمرت 8 دبابات إسرائيلية ؛ ذكر موشى ديان تعليقًا قي مذكراته عن "معركة أم قطف" بقوله «إنها المكان الذي قاتل فيه المصريون على أفضل وجه ، بينما قاتل الإسرائيليون على أسوأ صورة ».

حرب العدوان الثلاثى على مصر 1956 أسبابها ونتائجها
قوات المدرعات الأسرائيلية

  • خلال ليلة 31 أكتوبر ويوم 1 نوفمبر كان القتال في القطاع الشمالي عند رفح والعريش جاريًا ، وأنقسمت القوات الإسرائيلية إلى مجموعاتٍ صغيرةٍ تحارب في معارك مستقلة لتفادي الأسلاك الشائكة وحقول الألغام.
  • وصباح يوم 2 نوفمبر بدأ اللواء 9 مشاة الإسرائيلي مسيره نحو شرم الشيخ ، وبدأ اللواء 11 مشاة الإسرائيلي عملياته في قطاع غزة وأستولى عليه ، ودخلت القوات الإسرائيلية العريش دون مقاومة بعد أنسحاب القوات المصرية طبقًا لأوامر القيادة العامة ، وأتجهت وحدات إسرائيلية غربًا نحو القنطرة ، فيما أتجهت وحدات أخرى نحو مطار العريش لتأمينه وضمان طريق أبو عجيلة ، لتنهي القوات الإسرائيلية بذلك تقريباً معاركها على المحور الشمالي في سيناء ؛ وأتم كذلك اللواء 27 مدرع الإستيلاء على محور القسيمة - جبل لفنى - الإسماعيلية.
  • وفي 5 نوفمبر سقطت شرم الشيخ آخر المواقع المصرية في سيناء والتي كان يعني إحتلالها التحكم في مضيق تيران وفك الحصار عن الملاحة الإسرائيلية إلى إيلات.
  • وقبل منتصف ليلة 3/4 نوفمبر 1956 عقد الجنرال تشارلز كيتلي مجلس الحرب في مركز قيادة العمليات المشتركة في ابسكوبي ، بمشاركة الأدميرال بيير بارجو، والجنرال " أندريه بوفر "، والجنرال " جان جايلز"، والجنرال " جاك ماسو" ، و"البريجادير بتلر " ؛ وتبلورت نتائج الأجتماع في تنفيذ الخطة تلسكوب وهي خطة تعرضية مزدوجة -هي في جوهرها مزيج من الخطة سمبلكس أو أومليت2 والخطة موسكتير المعدلة النهائية - على أن تنفذ الخطة تلسكوب خلال أيام 6،5،4 نوفمبر على الوجه التالي:
  • في صباح يوم 4 نوفمبر تُتم القوات الجوية الأنجلو - فرنسية تدميرَ المدفعية الساحلية وأجهزة الرادار والمدفعية المضادة للطائرات ومراكز المقاومة في رأس الشاطئ ببورسعيد .
  • في صباح يوم 5 نوفمبر تنفذ العملية سمبلكس " أومليت 2 "، فيهبط جنود المظلات البريطانيون فوق مطار الجميل غرب بورسعيد بينما يهبط جنود المظلات الفرنسيون جنوب بورسعيد وفي بورفؤاد ، لتأمين المحيط الخارجي لمنطقة رأس الشاطئ.
  • في صباح يوم 6 نوفمبر يبدأ الغزو البحري من خلال تنفيذ العملية موسكتير المعدلة النهائية ؛ أنعقد المجلس مرة أخرى.
  •  فجر يوم 4 نوفمبر بوصول السير أنتوني هيد، والجنرال جيرالد تمبلر، والجنرال كيتلي هوبس، وموري، وحضر عن الجانب الفرنسي الأدميرال بارجو، والجنرال جازان، وبابان، وذلك بغرض الكشف عن أي صدعٍ بين القيادات.
  • و مع فجر يوم 4 نوفمبر وزعت خطط العمليات على المسؤولين وبدأ تحميل السفن بصفة نهائية في ميناء ليماسول ، ومساءً صدر الأمر بالإبحار.
  • في اليوم التالي 5 نوفمبر التقت السفن الفرنسية مع السفن البريطانية التي أبحرت من مالطة ، وسارت في خمسة أرتال -ثلاث بريطانية واثنتان فرنسيتان- خلف ستار من سفن الكراكات ؛ وفي صباح اليوم نفسه هبط المظليون البريطانيون فوق منطقة الجميل ، ولحقهم المظليون الفرنسيون فوق منطقة جنوب قناة الوصل التي تربط قناة السويس ببحيرة المنزلة ، ثم أعقبتها عملية إبرار فوق منطقتي الرسوة وبورفؤاد ، وأعقب ذلك عملية إقتحام جوي رأسي بالحوامات من حاملات الطائرات على منطقة رأس الشاطئ.
  • وفى خلال ليلة 30 أكتوبر ويوم 31 أكتوبر سارعت القيادة المصرية بإرسال تعزيزاتها إلى سيناء وشرم الشيخ ، وشرع سلاحها البحري في مهاجمة الشواطئ الإسرائيلية ؛ ولكن عندما تأكدت من التواطؤ بين الدول الثلاث بعد القصف الجوي الأنجلو-فرنسي.
  • مساء يوم 31 أكتوبر، صدرت الأوامر خلال ليلة 31 أكتوبر ويوم 1 نوفمبر بإنسحاب القوات من سيناء وعودة الفرقة الرابعة المدرعة التي عبرت في الليلة السابقة إلى سيناء ، ووقف تقدم أي تشكيلات أخرى مع أستمرار تمسك كتائب المشاة الست بمواقعها في سيناء لمدة 48 ساعة لحين إتمام الفرقة الرابعة المدرعة إنسحابها إلى غرب القناة ؛ وكما صدرت الأوامر بإرسال قاذفات القنابل من طراز إليوشن إلى الصعيد والسعودية ، ووضعت خطة حرب العصابات موضع التنفيذ ، وأسند إلى زكريا محيي الدين مسؤولية قيادة المقاومة الشعبية ، بينما أسند إلى كمال الدين حسين قيادة الفدائيين بمنطقة القناة.
  • وأخفيت الأسلحة والمعدات في أماكن أختيرت في كل مدن الوجه البحري ، ووزعت الأسلحة على المتطوعين في المقاومة الشعبية ، وجابت عربات الجيش الشوارع حاملة مكبرات صوت تدعو الناس إلى الجهاد ومقاومة الغزاة ، وقطعت مصر أيضًا علاقاتها الدبلوماسية مع بريطانيا وفرنسا ، وأستولت على ممتلكاتهما في مصر، وعطلت الملاحة في قناة السويس بتنفيذ خطة كانت معدة مسبقًا بإغراق باخرة محملة بالإسمنت في عرض المجرى الملاحي ؛ صمدت الجبهة الداخلية المصرية وكانت خلف زعيمها عبد الناصر، ولم تصدق توقعات قوى العدوان التي كانت واثقة من سقوط النظام بمجرد قصف الأهداف العسكرية ، وقطع وسيلة أتصال عبد الناصر بشعبه من خلال تدمير محطات الإرسال المصرية ؛ ولكن هنا بادرت دولة سوريا الشقيقة بالمساعدة وقامت إذاعة دمشق بمواصلة رسالة الإذاعة المصرية مستهلة إذاعتها بعبارة «هنا القاهرة»، ونادى جمال عبد الناصر من فوق منبر الجامع الأزهر «سنقاتل .. سنقاتل».
  • وكان هناك صمود قوى من أهل بورسعيد ومكافحة للعدوان حيث توقف القتال بين مصر وإسرائيل يوم 6 نوفمبر، فيما التحمت قوات الجيش المصري والمقاومة الشعبية في بورسعيد أمام تحقيق هدف واحد وهو دحر العدوان ، ونال صمود شعب بورسعيد وكفاحه في مقاومة العدوان إعجاب العالم ، فبرغم أستمرار قصف المدينة من الجو والبحر طوال يوم 5 نوفمبر إلا أنها نجحت في تثبيت قوات الإبرار الجوي الأنجلو-فرنسي طوال يوم 5 نوفمبر، وأنزلت بها كذلك خلال يوم 6 نوفمبر خسائر كبيرة ، وتمكنت من تثبيت العدو داخل منطقة رأس الشاطئ ومنعته من تأمينها وعرقلة أنطلاقه صوب الإسماعيلية ، ودارت معارك عنيفة بين قوات الإحتلال وقوات المقاومة ظهرت خلالها أمثلة عديدة للفداء سواء من المدنيين من أبناء بورسعيد أمثال السيد عسران ومحمد مهران ، أو العسكريين أمثال المقدم بحري جلال الدسوقي والملازم بحري جول جمال اللذين أستشهدا في معركة البرلس البحرية ، ومن أشهر العمليات التي أسفرت عنها عمليات المقاومة أسر الضابط أنتوني مورهاوس وأغتيال الميجور جون وليامز ؛ وكان هناك الكثير من الشهداء المصريين والعديد من أسري العدوان .

الموقف الدولي والعربي من العدوان الثلاثي :

كانت هناك العديد من الدول التى تساند مصر وتقف ضد العدوان وتشهر به على انه جريمة دولية ولم تكن هذه الدول عربية فقط ولكن الكثير من دول العالم أجمع ؛ حيث كانت هناك الأعتراضات الأمريكية على نهج السياسة المصرية إلا أن الولايات المتحدة لم تكن تؤيد العمل العسكري ضد مصر، ورأت أن من الأنسب أستخدام الضغوطات الأقتصادية وفرض العقوبات ، وعقب إعلان الإنذار الأنجلو-فرنسي لمصر وإسرائيل بعث أيزنهاور رسالتين حادتي اللهجة إلى رئيسي الوزراء البريطاني والفرنسي ، وكذلك بعث برسالة إلى إسرائيل يهدد بموقف مضاد في الأمم المتحدة ، وصرح أيزنهاور بأن واشنطن عارضت منذ البداية اللجوء لاستخدام القوة وأنها لم تُستشر من قبل المعتدين وستسعى لإنهاء الصراع بالطرق السلمية ، وصدر قرار 2 نوفمبر عن الأمم المتحدة بمساعٍ أمريكية حيث قدمت الولايات المتحدة مشروع قرار إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في 1 نوفمبر 1956 نصت فقراته التنفيذية على :

  1. على جميع الأطراف المتشابكة قبول وقف إطلاق النار والكف عن نقل القوات العسكرية والأسلحة إلى هذه المنطقة.
  2. سحب القوات إلى ما وراء خطوط الهدنة، والكف عن القيام بغارات عبر خطوط الهدنة على الأراضي المجاورة ومراعاة نصوص أتفاقيات الهدنة بدون تردد. 
  3. توصى جميع الدول بالإمتناع عن إدخال المواد الحربية إلى منطقة الأعمال العدوانية ، وأن تمتنع بصفة عامة عن القيام بأي أعمال قد تؤخر أو تمنع تنفيذ هذا القرار.
  4. يُحث على أتخاذ الخطوات اللازمة لإعادة فتح القناة وإعادة تأمين حرية الملاحة بها بعد تنفيذ وقف إطلاق النار.
  5. يُطلب من الأمين العام أن يُراعي وأن يُبلغ مجلس الأمن والجمعية العامة على الفور بمدى الأمتثال لهذا الأقتراح لاتخاذ أي إجراء آخر يريانه مناسباً طبقاً لميثاق الأمم المتحدة.
  6. تظل الجمعية العامة منعقدة في جلسة طارئة أمتثالاً لهذا القرار.

وافقت الجمعية العامة على المشروع الأمريكي في 2 نوفمبر بأغلبية 64 صوتًا ضد خمسة أصواتٍ هي (بريطانيا، فرنسا، إسرائيل، أستراليا، نيوزيلندا)، وأمتناع ست دول عن التصويت ، وأبلغت مصر الأمين العام في نفس اليوم قبولها القرار ، وأعلن الأمين العام ذلك في 3 نوفمبر مع أحتفاظ مصر لنفسها بالحق في عدم تنفيذ أحكامه إذا ظلت القوات المهاجمة توالي عدوانها ، وشُكلت لجنة ثلاثية لمراقبة التنفيذ ضمت كلًا من رالف بانش، وإيليا تشيرليشيف، وقسطنطين ستافروبولوس .

وسعت الدبلوماسية الكندية بقيادة ليستر بيرسون لإيجاد مخرج للأزمة يخفف من حدة الصدام بين الحلفاء الغربيين ، فاقترح تشكيل قوة دولية تكون أداة فعالة لفرض قرارات الأمم المتحدة ، ووافقت الجمعية العامة على المشروع الكندي في 4 نوفمبر بأغلبية 57 صوتًا وإمتناع باقي الدول ودون إعتراضات ، وتمت الموافقة كذلك على تعيين الجنرال تومي بيرنز قائداً للقوة الدولية الجديدة ، وشُكلت لجنة لبحث تنفيذ القرار كانت فيه الهند نائبة مصر والتي أصرت على عدم أنضمام أي قوات بريطانية أو فرنسية إلى القوات الدولية ، وكان موقف الأتحاد السوفييتي في 5 نوفمبر بعث نيكولاي بولجانين ببرقية إلى مجلس الأمن يطلب فيها أنعقاد المجلس بصفة عاجلة لبحث العدوان الجديد وعدم تنفيذ بريطانيا وفرنسا وإسرائيل قرار وقف إطلاق النار.

أشار السوفييت خلال أنعقاد المجلس في نفس اليوم إلى أنه إزاء عجز الجمعية العامة عن عمل أي شيء فإن على كل أعضاء الأمم المتحدة وخاصة الولايات المتحدة والأتحاد السوفييتي بصفتهما عضوين دائمين في مجلس الأمن تقديم العون العسكري لمصر في حال إصرار الدول الثلاث على تحدي القرارات المتخذة وعدم تنفيذها في الأوقات المحددة ، وأُرسلت الإنذارات السوفييتية إلى الدول الثلاث ، وكذلك أُرسلت رسالة سوفييتية إلى الولايات المتحدة تقترح التدخل العسكري المشترك ، فأزدادت المخاوف العالمية من التهديدات السوفييتية ، وعند التصويت على الطلب السوفييتي رفض لعدم حصوله على أغلبية الأصوات ، وكذلك رفضت كل من بريطانيا وفرنسا التهديدات السوفييتية وأستمروا في أعمالهما العسكرية ؛ وكانت الصين أيضاً من الدول السباقة إلى إدانة العدوان فأعلنت في 31 أكتوبر " أن مصر لن تقاوم العدوان وحدها، ولكن ستقف معها كافة الشعوب المحبة للسلام في أفريقيا وآسيا " ، وفي 4 نوفمبر طالبت الصين في إنذار جديد بوقف جميع العمليات العسكرية وإنسحاب المعتدين.

وقدمت كذلك هدية من شعب الصين لمساعدة مصر تمثلت في مبلغ عشرين مليون فرنك سويسري ؛ وفي الهند أعلنت الحكومة في 31 أكتوبر أنها تعتبر العدوان الإسرائيلي والإنذار المشترك خرقاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة ، وقد يؤدي إلى حرب واسعة النطاق مالم يتداركه العقلاء ، وللضغط على الحكومة البريطانية أبلغ نهروالحكومة البريطانية أن الهند ستجد نفسها مضطرة إلى الإنسحاب من الكومنولث البريطاني ، حتى الدول الموالية للغرب نددت بالعدوان فأعلن حسين سهروردي في 3 نوفمبر " أن العدوان تهديد للعالم الإسلامي أجمع، وأن الشعور في باكستان توتر بعد العدوان على مصر".

وحيث وقف العديد من الدول العربية بجانب مصر أمام العدوان معتبرين أن إخضاع مصر معناه إخضاع العالم العربي ، فوضعت سوريا مواردها تحت تصرف مصر ، وأعلنت التعبئة العامة والأحكام العرفية ، وقطعت علاقاتها الدبلوماسية ببريطانيا وفرنسا ، ونسفت كل من الأردن وقطر أنابيب البترول ، وتظاهر العرب في الكويت والبحرين ضد الإنجليز وهددوا بتعطيل العمل في آبار النفط ، أما الموقف في العراق فقد كان على النقيض ، فقد أتسم موقف الحكومة العراقية بالتشفي من مصر وجمال عبد الناصر بشكل علني وصريح ، وراحت الإذاعة العراقية تحاول صرف أنظار الشعب عن العدوان الذي دعته بالتطورات والملابسات السياسية ، كما راحت الإذاعة تبث الأغاني حيث كان التشفي ينبعث منها مما أثار سخط وأستنكار وتقزز الشعب منها ، ومن الحكومة المتواطئة مع الإمبريالية ، والتي سخرت مطاراتها للطائرات البريطانية ومستشفياتها لجرحى المعتدين ، وضخت النفط إلى ميناء حيفا في إسرائيل لتجهيز طائرات وجيوش المعتدين بالوقود ، وقد كان نوري السعيد رئيس وزراء العراق في لندن حينما أعلن عبد الناصر تأميم قناة السويس.

وأجتمع مع رئيس الوزراء البريطاني أنطوني إيدن حاثًا إياه على ضرب مصر، وبرهنت الحوادث على أن نوري السعيد كان على علم مسبق بقرار الهجوم على مصر ، وعاد إلى بغداد مسرعاً ، ليقوم بدوره المرسوم في دعم العدوان ؛ وفي السعودية أُعلنت التعبئة ، وأرسل الملك سعود برقية إلى الرئيس عبد الناصر أكد فيها أن قوات وإمكانيات المملكة حاضرة لمعاونة مصر، وأرسل إلى مصر قوة عسكرية من المتطوعين أطلق عليها «المجاهدين السعوديين للدفاع عن الوطن العربي»، وكان من بين أفرادها الأمير سلمان بن عبد العزيز (أمير الرياض)، والأمير فهد بن عبد العزيز (وزير المعارف)، والأمير سلطان بن عبد العزيز، والأمير عبد الله الفيصل (وزير الداخلية)، وقطعت المملكة علاقاتها الدبلوماسية مع بريطانيا وفرنسا ، ومنعت جميع الطائرات التابعة لشركات رأسمالها فرنسي أو بريطاني من الطيران في أجوائها ، كما أوقفت شحن النفط إليهما ، وأوقفت ضخ النفط لمعامل التكرير بالبحرين التي كانت تحت الحماية البريطانية ، وأرجئ الأحتفال المقرر في 12 نوفمبر بمناسبة تولي الملك سعود مقاليد الحكم ، وجرى تخصيص المبالغ المقررة له للمجهود الحربي العربي.

كما لجأ الملك سعود لممارسة الضغوط السياسية على الولايات المتحدة ، وطلب من أيزنهاور التدخل السريع والفوري لإيقاف العدوان ، وعندما أجتمعت القمة العربية في لبنان لتأييد مصر ودعمها ضد العدوان ولم يحضرها عبد الناصر لظروف الحرب ، قال الملك سعود :

  " إننا نؤيد كل التأييد مصر، إننا نمثل في هذا الاجتماع الرئيس عبد الناصر لأنه وضع ثقته فينا جميعًا ، ونرجو من الله أن يوفقنا لأجل نصرة العرب".

وكانت لصدمة الحرب أثراً بالغاً في الداخل البريطاني ، وهوجمت الحكومة في مجلس العموم من قبل المعارضة بشكل لم تشهده من قبل ، وتعالت أصوات الأستهجان التي أستنكرت الهجوم على شعب أعزل ، وما تفعله المرارة التي ستخلفها الحرب ، وأعلن أنتوني نوتينغ "وزير الدولة للشؤون الخارجية" أستقالته ، وأصبح رئيس الوزراء البريطاني محاصراً بين الرفض الدولي والرفض الداخلي لقرار الحرب ، وواجهت بريطانيا أزمة مالية خانقة نظرًا لتدهور قيمة الجنية الأسترليني وأنخفاض أحتياطي الذهب لديها ؛ وتحت الضغوط السوفييتية والأمريكية والكندية المتزايدة وحتى في الداخل البريطاني.

ومع تماسك الجبهة الداخلية المصرية وصمودها أمام العدوان وتضامن الشعوب العربية معها ، ونجاح مصر في أكتساب تعاطف الرأي العالمي وإدانة العدوان ، بالإضافة إلى الأزمة الأقتصادية التي حدثت لبريطانيا نتيجة الحرب ، وتلميح الولايات المتحدة برفض مساعدتها إقتصاديًا مع إصرارها على موقفها ، وتأكد الحكومتين البريطانية والفرنسية من الخسائر التي ستتعرضان لها في حال أستمرتا في تنفيذ خطتهما ، أتبعوا قرار وقف إطلاق النار أعتبارًا من ليلة 6 نوفمبر ويوم 7 نوفمبر ، إلا أن القتال أستمر في بورسعيد ولم يتوقف فعلياً إلا مساء يوم 8 نوفمبر بعد تدخل الأمين العام للأمم المتحدة ؛ وهذا عندما تم تشكيل قوة الطوارئ الدولية ، حيث شكل الأمين العام للأمم المتحدة لجنة غير رسمية لتعاونه في إعداد تقرير تفصيلي حول إنشاء القوة الدولية تمثلت في ليستر بيرسون، وهانز إنجن، وآرثر لال ، وأنتهت إلى التقرير الذي قدم إلى الجمعية العامة يوم 6 نوفمبر ووافقت عليه الجمعية في 7 نوفمبر بأغلبية 64 صوتًا بدون معارضة ، وتقررت بذلك المبادئ الأساسية في عمل القوة وهي :

  1. أن هذه القوة لن تستخدم كقوة عسكرية للضغط على مصر.
  2. أنها تدخل مصر بموافقة الحكومة المصرية وحدها.
  3. ليست للقوة أية أغراض أو مهام عسكرية.

وحينها منح الأمين العام سلطات إصدار التعليمات والأوامر الضرورية للعمل الفعال للقوة ، وذلك بعد التشاور مع اللجنة الأستشارية ؛ وتم الإنتهاء من العدوان عندما د خل الجنرال بيرنز بورسعيد في 25 نوفمبر 1956 ، وأعلن أنه سيعمل مع القوات الدولية على المحافظة على النظام في بورسعيد بالتعاون مع السلطات المصرية ؛ وفي 19 ديسمبر 1956 أنزل العلم البريطاني من فوق مبنى هيئة قناة السويس ببورسعيد والذي كانت قوات العدوان تتخذه مقراً للقيادة ، وفي 22 ديسمبر 1956 غادر آخر جندي من القوات البريطانية والفرنسية الأراضي المصرية.

وفي 23 ديسمبر 1956 تسلمت السلطات المصرية مدينة بورسعيد ، وهو التاريخ الذي أتخذته المدينة عيدًا قوميًا لها " عيد النصر" ، وأعقب ذلك بدء أنسحاب القوات الإسرائيلية من سيناء وقطاع غزة في 6 مارس 1957 لتعود القوات الإسرائيلية إلى حدودها في 16 مارس 1957؛ وهكذا تم تحرير مصر من قبضة العدوان الثلاثي بمساندة دول العالم.

نتائج حرب 1956 :

كانت حرب السويس من هذا النوع من الحرب المحدودة ؛ وكانت مصر فيها وحدها أمام ثلاثة دول غازية : بريطانيا و فرنسا و إسرائيل ، ولم يكن هدف مصر أن تكسر إرادة الثلاثة وتفرض عليهم مشيئتها كاملة ، وإنما كان هدفها أن تفك قبضة الثلاثة عن الجوائز الكبرى التى كانت هدف القتال ؛ وفى الحرب المحدودة فإن فك قبضة العدو عن أهداف الحرب هو معيار النصر و الهزيمة .

وكان هناك عدة أسباب وراء تراجع قوات العدوان الثلاثى (بريطانيا، فرنسا، إسرائيل) ووقف العمليات العسكرية ، فبجانب المقاومة الباسلة من أهالى بورسعيد والشعب المصرى ، والضغط الدولى خاصة من جانب الاتحاد السوفيتى ، كانت هناك أسباب تتعلق بفشل تلك القوات فى فرض سيطرتها على الأراضى المصرية ؛ حيث كان هناك ضعف فى التنسيق بين قيادات العدوان الثلاثى ، وأختلاف الأهداف الخاصة التى تسعى كل حكومة إلى تحقيقها ، إلى جانب أختلاف المذاهب العسكرية والتنظيم والتكتيك ، بل ولغة الحوار بين أطراف العدوان.

أدت جميعها إلى إثارة الظنون ، ووقوع عدة ارتباكات خلال سير القتال ضبغته بالبطء والتخبط ؛ كما حدثت عدة مشاحنات وتعارض فى الأراء بين قادة قوات العدوا ، حتى أوشكت إحداها على أن تحل رباط التعاون بينهم ، بينما كانت المواقف السياسية تتطور بسرعة على الساحة المحلية والدولية في مجلس الأمن والجمعية العمومية للأمم المتحدة بما جعل دينامية المساعى السياسية والدبلوماسية وقراراتها تسبق دينامية القتال في المسرح ، فتكشف عن خبيئة التواطؤ للعالم أجمع رغم ما بذلته الأطراف الثلاثة من جهد لإخفائه ، فترتب على أنكشافه دمغ هذا العدوان باللاأخلاقية ، وأجتماع الكلمة على أزدرائه وتجريمه ، مع الأصرار على وقفه وإزالة كل أثاره.

وهنا خاضت الحكومة المصرية مفاوضات مع شركة قناة السويس الفرنسية بوساطة البنك الدولي كان أولها في روما في فبراير 1958 لتعويض المساهمين في شركة القناة ، وتعذر في البداية التوصل لاتفاق ،  وخاض الطرفان جولة ثانية في القاهرة بناءً على دعوة من جمال عبد الناصر في مايو 1958 هدأت خلالها الأجواء المتوترة ، ولكن بقي الخلاف كما هو ، وفي 13 يوليو 1958 أتفق الطرفان في جنيف على أن تتنازل الحكومة المصرية عن أسلوب التعويض حسب قيمة الأسهم بسعر الإقفال السابق على تاريخ العمل بقانون التأميم في بورصة باريس ، وقبول مبدأ التعويض الجزافي بمبلغ 28,300,000 جنيه مصري ، تسددها مصر بالدولار الأمريكي ، على أن يقسم المبلغ على أربعة أقساط ويخصم منه ما حصلته الشركة القديمة لقناة السويس من رسوم المرور منذ تاريخ التأميم حتى وقوع العدوان على مصر، وأن تتنازل الحكومة المصرية عن ممتلكات الشركة خارج مصر، وتتعهد بتحمل جميع ديون الشركة في مصر ومعاشات الموظفين المقيمين في مصر، وتتعهد شركة قناة السويس الفرنسية أن تدفع الديون التي تمت خارج مصر، وأن تتحمل معاشات الموظفين المقيمين خارج مصر، وأن تتنازل عن مطالبة الحكومة المصرية بالمكاسب التي كان ينتظر أن تجنيها في الإثني عشر سنة الباقية على مدة الامتياز ؛ وحيث جرى التصالح بإعادة العلاقات الدبلوماسية بين مصر وفرنسا ؛ أما المفاوضات المصرية البريطانية فقد أنتهت بإبرام أتفاقية في القاهرة في 28 فبراير 1959، وعادت العلاقات الدبلوماسية بين مصر وبريطانيا في 1 ديسمبر 1959.

حيث فقدت بريطانيا مكانتها في المنطقة وممتلكاتها وقاعدتها في مصر، وأنتهى الأمر بأنتوني إيدن إلى الأعتكاف ثم الأستقالة من منصب رئيس الوزراء ؛ وخسرت كذلك فرنسا أموالها وممتلكاتها في مصر وفقدت نفوذها السياسي والثقافي في المنطقة ، أما إسرائيل فظهرت كدولة ساندة بيد الغرب لكنها حافظت على تأمين مرور سفنها بخليج العقبة وقناة السويس ؛ ولكن فى مصر مع فداحة الخسائر المصرية في الأرواح والممتلكات نتيجة العدوان ، إلا أن مصر خرجت من المحنة أكثر تماسكًا خاصةً في ظل التضامن العربي والدولي مع موقفها ، وفضلاً عن تألق نجم عبد الناصر على مستوى السياسة الدولية بوقوفه في وجه الدول المعتدية ، وتمثلت المكاسب في أنفراد مصر بملكية قناة السويس وحق إدارتها بلا منازع ، وإلغاء معاهدة الصداقة والتحالف بينها وبين بريطانيا وما تبع ذلك من إستيلاء مصر على القاعدة البريطانية العسكرية في منطقة قناة السويس بكل ما تحويه من أسلحة وذخائر وعتاد ، وكذلك تقرر فرض الحراسة على أموال ومؤسسات وشركات وممتلكات الإنجليز والفرنسيين المقيمين في مصر ، والتي قدرت قيمتها وقتها بـ30 مليون جنيه مصري.

وحسمت حرب السويس ما أسفرت عنه الحرب العالمية الثانية من نتائج ، وأرست دعائم النظام الذي برز في أعقاب الحرب ، فأنطفاء نجم بريطانيا وفرنسا كقوى أستعمارية تقليدية بنمطها الذي مارستاه على مدار عقود ، وفقدتا تباعًا قواعدهما ودورهما كقوى عظمى بالشرق الأوسط ، وحلت محلها الولايات المتحدة منفردة بنفسها على الساحة الدولية وبدور حارس المصالح الغربية بالشرق الأوسط ، فقبلت بإستقلال دول المنطقة وبحيادٍ نسبي لكن مع إصرارها على ربطها بعجلة الغرب أيضاً.

 المصادر :

1-   محمد حسنين هيكل "قصة السويس - آخر المعارك في عصر العمالقة"

2-   محمد حسنين هيكل "حرب الثلاثين سنة - ملفات السويس"

3-   محمد حسنين هيكل "المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل"

4-   حسن أحمد البدرى وفطين أحمد فريد "حرب التواطؤ الثلاثى"

5-   لطيفة محمد سالم " أزمة السويس 1957:1954 جذور/ أحداث/ نتائج "

6-  مصادر أخرى

reaction:

تعليقات

4 تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق